امانى سيد

السوق ١

لمحة نيوز

إيه يا وداد؟ عايزة توصلي لإيه؟
وداد قربت منه ووطت لمستواه، وهمست ببرود
عايزة أشوفك وأنت بتمشي في الشمس يا مجدي.. عايزة أشوفك وأنت بتدور على تمن المواصلة ومش لاقيه. عايزة كل ما تمسك كوباية مية مشبرة، تفتكر إن تمنها كرامتي اللي أنت دوست عليها. أنا مش هطلقك دلوقتي.. أنا هسيبك كدة، عايش معايا في البيت بس شحات.. شحات حنية، وشحات فلوس، وشحات نظرة رضا مني.
قامت وسابته في ضلمة الصالة، دخلت أوضتها وقررت إن النهاردة بس، هتعرف تنام وهي مرطبة وقلبها بارد، والقهوة اللي في إيدها كانت أطعم قهوة شربتها في حياتها
مرت الأيام ومجدي بقى زي الخيال في البيت، يدخل ويخرج وهو دبلان، عينه مكسورة وكل ما يفتح التلاجة ويشوفها مليانة من خيرات الله اللي هي اشتريتها بفلوسه، يحس بغصة في حلقه. وداد مكنتش بتبخل عليه
بالأكل، بالعكس، كانت بتطبخ أحلى الأصناف وتحطها قدامه ببرود، وكأنها بتقوله كل.. ده بجميلك.. قصدي بفلوسك.
وفي يوم، مجدي رجع من الشغل وشه باهت، قعد على السفرة ونادى عليها بصوت مبحوح
وداد.. أنا تعبت. الشركة بعتتلي إنذار بسبب قلة تركيزي، والناس بدأت تلاحظ إن حالي اتقلب. أنا مستعد أعمل أي حاجة، بس رجعيلي جزء من الفلوس أسدد ديوني، وأنا والله هقطع علاقتي بأي حد عرفته.
وداد سابت اللي في إيدها وقربت منه، بصت له بنظرة فاحصة، وطلعت من جيبها رزمة فلوس ورمتها على السفرة قدامه، فمجدي عينه لمعت بلهفة ومد إيده يلمسها، بس هي حطت إيدها فوق إيده ومنعته.
وداد بنبرة سخرية مريرة
الفلوس دي مش ليك يا مجدي.. الفلوس دي تمن التوصيلة اللي استخسرتها فيا. عارف الرزمة دي؟ دي تمن الوجع اللي شفته في عيون الناس وأنا شايلة
الشنط وبنهج في الشمس وأنت بتضحك في التكييف.
مجدي بذل
طب والحل؟ هيفضل حالنا كدة لحد إمتى؟
وداد ابتسمت ببرود مخيف
لحد ما تحس بكل نهجة نهجتها في الشارع.. لحد ما وشك يتحرق من الشمس وأنت رايح وجاي على رجليك عشان توفر تمن الميكروباص. الحل في إيديك.. لو عايز الفلوس ترجع، هتشتغل عندي.
مجدي بذهول
أشتغل عندك؟ يعني إيه؟
وداد
يعني من بكرة، أنت اللي هتنزل السوق، وأنت اللي هتشيل الشنط، وأنت اللي هتقف تفاصل في المليم.. والفلوس اللي كنت بتوزعها يمين وشمال، أنا اللي هصرفها عليك ب المعونة. هخليك تدوق طعم الخدمة اللي كنت فاكرها فرض عليا، وتعرف إن الست اللي بتصونك، لو فكرت تخونها.. هتمحيك وأنت حي.
مجدي بص للفلوس اللي تحت إيدها، وبص لوشها اللي بقى فيه جبروت مكنش يتخيله، وطى راسه في الأرض وهو عارف إنه مكسور
ومحتاج لكل قرش عشان يستر نفسه من الفضايح والديون.
مجدي بهمس منكسر
موافق يا وداد.. هعمل اللي أنتي عايزاه.
وداد سحبت الرزمة تاني وحطتها في جيبها، وطبطبت على كتفه ببرود وهي بتقول
عاش يا مجدي.. حضّر نفسك بقى، بكرة سوق الثلاثاء، والشمس طالعة من بدري قوي، والشنط هتبقى تقيلة.. بس متقلقش، هبقى أشغل لك المروحة لما ترجع بالسلامة.
وداد سابته وخرجت للبلكونة، وقفت في الهوا الطراوة وهي حاسة إنها لأول مرة من سنين مرتاحة.. مش بس عشان الفلوس رجعت، لكن عشان الحق رجع، والراجل اللي كان فاكر إنه ملك بفلوسه، بقى مجرد ترس في مكنة انتقامها الهادي.
هى عارفه إن عليه قسط الشقه والعربيه ولو ماتدفعوش هيتحبس والحاجة هتتاخد عشان كده كانت بتستغل للوضع 
مجدي نزل السوق في عز الظهر، ولأول مرة في حياته يواجه الواقع
اللي كان حابس وداد فيه

تم نسخ الرابط