بقلم امانى سيد

السوق ٢

لمحة نيوز

لسنين. وقف وسط الزحمة، العرق بيغرق قميصه اللي كان دايماً مكوي ونضيف، والناس بتخبط فيه من كل ناحية
مجدي شايل في إيديه أربع شنط تقيلة، "الخضار، والفاكهة، واللحمة"، والأكياس بدأت "تغرّز" في صوابعه وتعلّم فيها. الشمس كانت عمودية على دماغه، وصوت البياعين وصريخ الناس خلاه يحس بصداع رهيب.
في اللحظة دي، تليفونه رن في جيبه. حاول يسيب الشنط بصعوبة على الأرض عشان يرد، لقى الرقم بتاع "الزميلة". رد بصوت مجهد ونهجان:
— "أيوة يا شيري.."
ـ "إيه يا مجدي؟ مختفي فين؟  أنا بقالي ساعة مستنياك في المكان بتاعنا والقهوة بردت
— "قهوة إيه يا شيري؟ أنا واقف في نص سوق الثلاثاء والشنط قطعت إيدي.. الفيزا مفيهاش مليم، والحساب كله اتصفر."
— "سوق؟ وشنط؟ أنت بتقول إيه يا مجدي؟ أنت أكيد بتهزر.. يعني إيه الحساب اتصفر؟"
مجدي (بانكسار):
— "يعني مفيش خروجات، ومفيش تكييف، ومفيش هدايا.. لو عايزة تشوفي مجدي الحقيقي، تعالي شوفي الراجل اللي شايل شيلة بيته فوق كتافه وماشي ينهج في الشمس."
شيري قفلت السكة في وشة من غير كلمة، كأنها كانت "سراب" واختفى أول ما الفلوس

خلصت. مجدي بص للتليفون بمرارة، وضحك ضحكة وجع.. عرف إن وداد كانت صح، إن مفيش حد شاله غيرها، ومفيش حد "باعه" غير اللي ضيع شقاه عشانهم
مجدي رجع البيت، رماه جته ورا الباب وهو بيترعش من التعب. وداد كانت قاعدة في الصالة، مشغلة التكييف على أعلى درجة، وماسكة في إيدها "ريموت" التلفزيون وبتاكل فاكهة ساقعة.
وداد (ببرود وهي بتبص لساعتها):
— "تأخرت ليه يا مجدي؟ الشمس حامية برا ولا إيه؟ حط الشنط في المطبخ، وفضي الخضار، واغسله كويس.. وبعدين تعال عشان تاخد "مصروفك" بتاع بكرة."
مجدي قام ببطء، دخل المطبخ وبدأ ينفذ الأوامر وهو ساكت تماماً. مكنش عنده طاقة حتى يجادل. وهو بيغسل الطماطم، افتكر منظرها وهي بتقع منه على الرصيف، وافتكر دموعها اللي داس عليها بالعربية ومشي.
خرج ووقف قدامها، وشه محروق من الشمس، وإيديه وارمة من تقُل الشنط.
مجدي:
— "عملت كل اللي قلتي عليه يا وداد.. كفاية كدة؟"
وداد (طلعت ورقة بـ 20 جنيه ورمتها له على الترابيزة):
— "دي عشان تركب بيها المواصلات بكرة وأنت رايح الشغل.. ومفيش غدا برا، هتاخد معاك "ساندوتشات" من البيت، عشان نوفر
القرشين اللي "فاضلين" في الحساب.. مش إحنا لازم نأمن مستقبلنا يا حبيبي؟"
مجدي خد الـ 20 جنيه وبص لها، حس بذل ملوش آخر، بس في نفس الوقت حس بـ "عدل ربنا" وهو بيتحقق قدام عينه.
وداد (وهي بتغمض عينيها وتستمتع بهوا التكييف):
— "يالا يا مجدي.. ادخل خد دش ساقع، بس متطولش عشان فاتورة الكهرباء غليت.. وأنا مش عايزة أصرف فلوسي على الفاضي."

وداد مش هتحوله لعتال، هي هتخليه "عريان" قدام نفسه. هي سحبت الفلوس تمام، بس هتلعب على أعصابه بالبرود
وداد وقفت في الصالة تراقب مجدي وهو بيجر رجليه ناحية الحمام، مكسور ومنطفي لدرجة تصعب على الكافر، بس وداد قلبها كان لسه شايل ناره. الانتقام بالنسبة لها مكنش مجرد فلوس اتسحبت، ده كان إعادة تربية لواحد اتعود ياخد كل حاجة وميدي ش غير "الوجع".

​مجدي خرج من الحمام وجسمه كله مكسر من وقفة السوق، قعد على كرسي السفرة وهو حاطط راسه بين إيديه. وداد دخلت عليه المطبخ بكل هدوء، حطت قدامه طبق جبنة ببطيخ وبصت له ببرود يخلي الدم يتجمد.

​كل يا مجدي.. البطيخ بيرطب في الحر، وأهو أحسن من القهوة المثلجة اللي كنت بتبلع بيها

خيانتك وأنا بتشوي في الشمس.

​مجدي رد بصوت واطي ومبحوح وقال لها: كفاية يا وداد.. أنا عرفت غلطي، والبهدلة اللي شفتها النهاردة علمتني أدب عمري ما هنساه، بس موضوع الأقساط يا وداد.. البنك بعت رسايل تحذير، العربية والشقة هيضيعوا لو القسط مندفعش الأسبوع ده، أنتي كدة بتخربي بيتنا بجد.

​وداد سحبت كرسي وقعدت قدامه، ربعت إيدها وبصت في عينه بقوة وقالت له: يضيعوا؟ هما لسه مضاعوش يا مجدي؟ البيت اللي ملوش أمان ضايع، والراجل اللي يبيع مراته عشان نزوة هو اللي ضايع. الأقساط هتدفع متقلقش، أنا مش هرمي شقايا في الأرض عشان سواد عيونك، أنا رحت البنك الصبح وسددت قسط الشقة من حسابي.

​مجدي وشه نور بلهفة وقال لها: سددتيه بجد؟ أنتي لسه باقية علينا يا وداد؟
وداد ضحكت بمرارة وقالت له: باقية علينا؟ إنت لسه عندك عين تتكلم بصيغة الجمع؟ أنا بعمل كدة عشان "ولادي" يا مجدي. عشان ميرجعوش في يوم يلاقوا أبوهم محبوس في وصولات أمان وأقساط ضاعت في الهوا، وعشان البنت والولد دول ميتشردوش ولا يتبهدلوا بسبب نزواتك. أنا بسند "الحيطان" اللي إنت هديتها عشان خاطر عيالي

يعيشوا مستورين، مش عشان خاطرك إنت.

تم نسخ الرابط