امانى سيد

زكريات جوزى

لمحة نيوز

خرجت مع جوزى وروحنا قاعدنا فى جنينه على النيل ووقتها جوزى بدأ يحكيلى زكرياته معايا فى المكان ده وأنه جايبنى عشان نعيد زكرياتنا 
لكن الغريب في الموضوع انى مش فاكره اى حاجه او هو كان فاكر المكان والزكريات بس الزكريات دى مكنتش ليه انا كانت لواحده تانيه 
فضلت باصة للنيل وهو بيلمع قدامي، وصوته هو شغال "راديو" ذكريات.. بيحكي عن تفاصيل دقيقة، عن ضحكة ضحكتها في الركن ده، وعن خناقة تافهة خلصت بوردة جابها من بتاع الورد اللي على أول الشارع.. وأنا كل اللي في بالي سؤال واحد بياكل في دماغي: "أنا مين في الحكاية دي؟".
حاولت أفتش في ذاكرتي، أعصر دماغي عصر، يمكن ناسية؟ يمكن الزهايمر خبط على بابي بدري؟ بس لأ، التفاصيل اللي بيقولها غريبة عني تماماً. أنا عمري ما لبست الفستان الأزرق اللي بيقول عليه، ولا عمري طلبت "حمّص شام" من العربية اللي هناك دي لأن أصلاً عندي حساسية من البقوليات وهو عارف كده.. أو المفروض يعني إنه عارف!
السكوت كان تقيل قوي، وهو مكمل بابتسامة مرسومة على وشه ومندمج بزيادة، لدرجة إني بدأت أحس ببرودة في أطراف صوابعي رغم إن الجو كان دافي. كنت عايزة أصرخ في وشه وأقوله: "فوق! دي مش أنا!".. بس الخوف من الحقيقة خلاني أبلع ريقي وأسكت.
هل هو بجد ناسي ملامحي لدرجة إنه ركب وشي على حكايات حد تاني؟ ولا المكان ده فيه "روح" قديمة هو مش قادر يخرج منها؟ بصيت له وهو بيحاول يمسك إيدي بحنية، وفي اللحظة دي بالذات، النيل اللي كان منظره مريح، فجأة بقى شكله غريق ومخيف.. كأنه شايل أسرار أنا لسه بكتشف أول خيط فيها.
رفعت عيني فيه وسألته بصوت مهزوز حاولت أداريه:
"بقولك إيه يا حبيبي.. هو الفستان الأزرق ده، كان لايق عليا فعلاً؟" سكت فجأة، والابتسامة

بدأت تتهز على وشه.. وكأن القلم اللي كان بيكتب بيه ذكرياته "المضروبة" فجأة شطب على الورقة كلها.

سكت خالص.. الابتسامة اللي كانت منورة وشه انطفت فجأة وحل مكانها نظرة استغراب، كأن في "ماس كهربائي" حصل في دماغه. بص لي بشك وقال:
"أزرق؟ لا يا حبيبتي، إنتي كان شكلك زي القمر في الفستان الأخضر المنقوط بورد صغير.. إنتي نسيتي ولا إيه؟ ده إحنا يومها قعدنا نضحك عشان الفستان كان لايق على لون الشجر اللي ورانا!"
جسمي كله قشعر.. "أخضر منقوط؟" أنا أصلاً بكرة اللون الأخضر وعمري ما اشتريت فستان منقوط في حياتي! في اللحظة دي اتأكدت إن الموضوع مش مجرد لبط في الكلام، ده فيه "كارثة" تانية خالص. هو مش بس فاكر ذكريات مش بتاعتي، ده راسم صورة كاملة لواحدة تانية ومسميها باسمي.
حاولت أتماسك، سحبت إيدي من إيده بالراحة وقلت له بنبرة باردة:
"آآه.. الأخضر.. معلش الذاكرة خانتني، أصل اليوم ده كان من زمان أوي.. قولي بقى، هو إحنا جينا هنا بعد الخطوبة بكام يوم؟"
رد بسرعة وكأنه حافظ مش فاهم:
"خطوبة إيه يا بنتي؟ إحنا جينا هنا قبل ما أتقدم لك بشهر، لما هربنا من المحاضرة وجينا نشرب شاي بالنعناع ونخطط لمستقبلنا.. فاكرة لما قولتلك هبني لك بيت على النيل شبه البيت اللي هناك ده؟" وشاور بإيده على بيت بعيد.
المشكلة إني عمري ما هربت من محاضرة، ولا عمري شربت شاي بالنعناع، والأدهى إني قابلته لأول مرة في "صالون" بيت بابا، يعني مفيش قصص حب في الجامعة ولا هروب ولا الكلام ده خالص!
قمت وقفت، ونفضت هدومي وأنا حاسة إني بختنق:
"طيب يلا بينا يا (أحمد) عشان اتأخرنا، والجو بدأ يبرد.. والنيل النهاردة ريحته غريبة.. ريحة ناس مكنتش موجودة أصلاً."
بص لي باستغراب وقام وقف ورايا:
"مالك يا حبيبتي؟

إنتي اتغيرتي ليه فجأة؟ أنا قولت حاجة زعلتك؟"
لفيت وبصيت في عينه مباشرة، كنت عايزة أسأله: "إنت متجوزني أنا، ولا متجوز ذكرياتك مع الواحدة دي في جسمي أنا؟".. بس فضلت ساكتة، ركبنا العربية وهو طول الطريق مشغل أغاني "فيروز" اللي أنا مبحبهاش، وهو بيدندن معاها بكل ثقة.. وكأننا عايشين في فيلم، بس أنا مش البطلة، أنا مجرد "دوبليرة" بتأدي دور مش دورها.
أول ما وصلنا البيت، جريت على "ألبومات الصور" القديمة، كنت محتاجة أشوف شكلي زمان، محتاجة أثبت لنفسي إني موجودة.. لحد ما وقعت من وسط الصور ورقة مطبقة قديمة، فتحتها وأنا إيدي بترعش.. وكانت الصدمة
فتحت الورقة ببطء، ونفسي بيتقطع.. كانت صورة "فوتوغرافية" قديمة، بس مش ليا. كانت لواحدة تانية خالص، بس الصدمة إنها كانت لابسة "الفستان الأخضر المنقوط" وواقفة في نفس الركن اللي كنا قاعدين فيه على النيل، وماسكة في إيدها وردة.. نفس الوردة اللي كان لسه بيوصفها من شوية.
قلبي بدأ يدق في وداني زي الطبلة. قلبت الصورة، لقيت مكتوب بظهرها بخط إيده اللي أعرفه كويس، خطه اللي بيكتب لي بيه كروت عيد ميلادي: "إلى حبيبتي الوحيدة.. المكان ده شهد أول وعودنا، وهيفضل شاهد إنك النفس اللي طالع مني. 15/9/2018".
التاريخ ده كان قبل ما أعرفه بسنة كاملة! يعني القصص دي حقيقية، والمكان حقيقي، والمشاعر دي كانت بجد.. بس "البطلة" كانت حد تاني.
سمعت صوت خطواته بتقرب من باب الأوضة، قفلت الألبوم بسرعة وحطيت الورقة في جيبي. دخل وهو بيفك كرافتته وقال بابتسامة هادية:
"مالك يا حبيبتي؟ نمتي على نفسك وإنتي بتفرجي على الصور؟ بجد يوم النهاردة فكرني بأحلى أيام حياتنا."
بصيت له وأنا حاسة إني شايفة شخص غريب، شخص عايش معايا في بيت واحد بس عقله وقلبه
في "منطقة زمنية" تانية خالص. سألته بصوت حاولت يطلع طبيعي:
"أحمد.. هو إنت ليه اخترت تتجوزني أنا بالذات؟"
وقف مكانه، وبص لي بنظرة غريبة، نظرة فيها حنين مش ليا، وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
"عشان فيكي روح بتفكرني بكل حاجة حلوة ضاعت مني.. وعشان لما بغمض عيني وأنا معاكي، بحس إن الزمان لسه واقف عند اللحظة اللي وعدتك فيها إننا مش هنفترق أبدًا."
الجملة كانت "سم" متغطي بعسل. هو مبيشوفنيش، هو بيشوف "النسخة" اللي عايز يشوفها. أنا بالنسباله مجرد "خيال" بيملأ فراغ سابته واحدة تانية.
استنيته لحد ما نام، وطلعت الموبايل وبدأت أدور في رسايله القديمة، وفي "الفريندز" عنده.. كنت عايزة أعرف مين دي؟ وليه ملامحها مسيطرة على حياتي كده؟ لحد ما لقيت أكونت "مهجور" من سنين، الصورة الشخصية بتاعته كانت هي.. نفس البنت، بنفس الضحكة.. والاسم صدمته كانت أقوى من أي حاجة تخيلتها.
البنت دي مكنتش مجرد حبيبة قديمة.. دي كانت...

البنت دي مكنتش مجرد حبيبة قديمة.. دي كانت أخته التوأم اللي توفت في حادثة من سنين.
الاسم كان (سارة).. نفس الحروف اللي دايماً يكتبها "زخرفة" على طرف أي ورقة وهو سرحان، وأنا كنت فاكرة إنه بيدلعني أنا (أماني) بـ "سين" السر اللي بيننا. فجأة كل المكعبات ركبت فوق بعضها.. الحزن اللي بشوفه في عينه ساعات من غير سبب، اهتمامه المبالغ فيه بأكلي وشربي، وحتى اختياره للبس اللي كان دايماً يصر إنه "أشيك عليا".
طلع مكنش بيحبني كـ "زوجة" وبس، ده كان بيحاول "يحييها" فيا.. كان بيعالج وجع الفقد بتاعه من خلالي.
قعدت على طرف السرير، والورقة المطبقة في إيدي كأنها جمرة نار. بصيت عليه وهو نايم، ملامحه هادية وكأنه طفل بريء مش مدرك إنه بيقتلني بالبطيء.. بيقتل كياني

كـ (أماني) عشان يعيش مع طيف (سارة).

تم نسخ الرابط