امانى سيد
السوق ١
كنت ماشيه فى الشارع جايه من السوق وانا شايله طلبات البيت فى عز الشمس بعد ما جوزى رفض يوصلنى بحجه انه بيشتغل وسابنى لواحدى بالشنط التقيله
كملت طريقي وأنا حاسة إن كتفي هيتخلع من تقُل الشنط، والعرق غرق هدومي، والشمس كانت بتلسع في نفوخي وكأنها بتعاقبني على مشوار السوق ده. كنت ماشية بكلم نفسي وبقول معلش يا بت، أهو شقيان وتعبان في الشغل عشان يجيب لنا لقمة العيش، وكنت متمسكة بالأمل ده عشان أقدر أكمل ال 100 متر اللي فاضلين لحد البيت.
وفجأة.. العربية شفتها من بعيد. عربيتنا.
وقفت مكاني والشنط وقعت من إيدي على الأرض، وكأن الدنيا وقفت هي كمان. العربية كانت مركونة على جنب، الإزاز مقفول بالمللي عشان التكييف يفضل محبوس جوه، وشايفاه.. جوزي الشقيان التعبان اللي مكنش عنده وقت يوصلني عشان شغله.
كان قاعد بكل برود، وراسه ميلة ناحية واحدة راكبة جنبه، ملامحها كانت مرتاحة ومترطبة بهوا التكييف. إيده اللي كانت بتتحجج بالمرض والتعب من السواقة، كانت بتلعب في شعرها بنعومة، وهو بيبتسم لها ابتسامة الحنين اللي نسي يبتسمها في وشي من سنين.
وقدامهم على التابلوه، كوبايتين كبار من كافيه مشهور، المية المشبرة على الكوبايات من بره كانت باينة من ورا الإزاز، وهما ماسكين الشاليموه وبيشربوا
في اللحظة دي، حسيت إن الشمس اللي فوق راسي دي مقتولة قدام النار اللي ولعت في قلبي. أنا هنا شايلة الهم وشايلة الطلبات وماشية في المرمطة عشان أوفر له في البيت، وهو هناك قاعد في التكييف بيوزع حنانه ومشروباته الباردة على حساب كرامتي وتفاهتي في نظره.
وطيت ببطء، لميت الشنط اللي اتفتحت في الأرض، ودموعي نزلت اختلطت بالعرق
قعدو وداد على الرصيف
بصت وداد لمجدي تاني، العربية اتحركت بهدوء، ومجدي مابصش ورا، ولا حتى حاول ينزل يشيل معاها الشنط اللي اترمت على الرصيف. مشي وسابها في عز الظهيرة بتواجه مصيرها لوحدها، وكأنها كانت مجرد خيال مر من جنبه وهو مبيعرفوش.
وداد حست إن الأرض بتلف بيها، القوة اللي كانت شاحنة بيها نفسها قدامه انهدت زي بيت رمل. قعدت على الرصيف، حرفياً في قلب التراب، ودفنت وشها بين إيدها وانفجرت في عياط مكتوم وهستيري. صرخة صامتة طالعة من جدران قلبها اللي اتشرخ.
يا قهرتي.. يا قهرتي عليكي يا وداد. العمر اللي راح في خدمة واحد محسش بيا وأنا بتشوي في الشمس وهو بيضحك جوه التكييف؟ يا رخصي عندك يا مجدي.. يا رخصي!
فضلت قاعدة لدقايق، والناس بتعدي من جنبها اللي بيبص بشفقة واللي بيبص بتساؤل، بس هي مكنتش شايفة حد. كانت شايفة
مسحت دموعها بعنف بطرف طرحتها، وقامت وقفت بركب بتخبط في بعضها. نفضت التراب عن بنطلونها بآلية، وسابت شنط الخضار واللحمة زي ما هي على الأرض.. مكنتش قادرة تلمس حاجة فكرتها ب الخدامة اللي كانت عايشة جواها عشانه.
رفعت إيدها لتاكسي كان معدي، السواق وقف وبص لحالها بقلق
على فين يا ست الكل؟ إنتي كويسة؟
وداد ركبت ورا، وسندت راسها على الإزاز البارد بتاع التاكسي، وقالت بصوت طالع من بير غريق
وديني العنوان ده يا أسطى.. وديني للبيت اللي مابقاش بيتي.
طول الطريق كانت بتبص للشوارع وهي بتموت وداد القديمة، وبتحضر وداد جديدة مش هتبكي تاني على حد استخسر فيها حتى توصيلة في يوم حر.
وصلت وداد البيت ودخلت شقتها وهى بتنهج
فتحت وداد الدولاب بكل هدوء، الهدوء اللي بيسبق العاصفة. ملمستش هدومها، بالعكس، بدأت ترتبهم أكتر وكأنها بتستعد ل مهمة مش لهروب. هي مش هتمشي وتسيطر عليه فكرة إنه سابها مكسورة، هي قررت إنها هتفضل موجودة، بس زي الخيال اللي بيطارد أحلامه لحد ما يخليه يكلم نفسه.
قعدت على طرف السرير، مسكت تليفونها، وبدأت تدخل على حساباته اللي هي عارفاها أكتر منه.
وداد بهمس ونبرة كلها تحدي
عايز
وداد مكنتش بتعيط، الدموع نشفت وبدأت ملامحها تترسم بخبث مكنتش تعرف إنها تملكه. بدأت خطتها بخطوات حديد
البيت كان هسيس، مفيش فيه غير صوت أنفاس مجدي وهو نايم بعمق، ولا كأنه لسه دابح مراته الصبح ببروده. وداد كانت صاحية، قاعدة في الصالة في الضلمة، عينيها مبرقة زي القطة اللي بتراقب فريستها. استنت لحد ما الساعة دقت اتنين بعد نص الليل، قامت بخطوات زي الشبح ودخلت الأوضة.
بصت لوشه وهو نايم، وشافت الراحة اللي على ملامحه، فافتكرت وقفتها في عز الشمس والشنط بتغرس في إيدها. مدت إيدها ببطء شديد، وسحبت تليفونه من على الكومودينو.
قربت التليفون من صباعه وهو غرقان في النوم.. تكة الشاشة وهي بتفتح كانت في ودنها زي صوت الرعد، بس هو محسش. دخلت فوراً على تطبيق البنك، وبدأت المهمة.
وداد بهمس وفحيح
عايز تكييف ومشروبات باردة؟ تمام.. اشرب يا مجدي، بس الحساب المرة دي تقيل قوي.
بمنتهى الدقة، حولت أول مبلغ محترم لحسابها الشخصي اللي محدش يعرف عنه حاجة. وبسرعة البرق، دخلت على الرسايل ومسحت رسالة البنك اللي بتأكد التحويل، ومسحت كمان ال Notification