نرمين عادل همام
خطه الخدامه والهروب من الحقيقه
ساد صمت تقيل في الصالة، ريحة الخيانة والغدر كانت تخنق. مكنش فيه مجال للشك.. دي جريمة كاملة. الضابط مشي ناحية تهاني وكلبش إيدها في ثانية.. صرخت وردحت بـ "غل": "مفتكرش إنك كسبت يا شريف بيه! إنت سبتها لوحدها مرة وهتعملها تاني.. الرجالة اللي زيك مبيختاروش غير الشغل والفلوس وبس!"
الغضب كان هيعميني، بس في اللحظة دي منى مسكت معصم إيدي بقبضة يائسة: "شريف.. متسبنيش.." وهي دي الكلمة اللي فرقت معايا.. مكنش فيه أي حاجة تانية تهم في الدنيا دي غيرها.
الدكاترة طمنونا إن الجنين بخير.. في اللحظة دي أنا انهرت من العياط.. ابني سليم. بس منى مكنتش بخير.. الدكتور شرح لي بهدوء بس بحزم: "حالة توتر مزمنة، قلق حاد، علامات سوء تغذية، واحتمال كبير تكون اتخدرت بمهدئات قوية."
جت دكتورة نفسية متخصصة في حالات ما بعد الولادة، وقعدت تشرح لي يعني إيه .. عزل.. تلاعب.. وتدمير نفسي ممنهج. وأنا بسمع كلامها، ذكريات الشهور اللي فاتت بدأت تمر قدامي زي الشريط السريع:
منى وهي بتقول لي إن شكلها بقى وحش..
منى وهي بتسألني بخوف: "تفتكر هبقى أم فاشلة؟"
منى وهي بتعيط على حاجات تافهة..
منى وهي
كل ده كان قدام عيني.. وأنا "مبصرتش".
الليلة دي، فضلت قاعد جنب سريرها في المستشفى لحد ما الفجر طلع. بعت رسالتين:
واحدة للمكتب: "هلغي كل سفرياتي وكل مشروعاتي لحد ما ابني يشرف."
واحدة للمحامي: "عايز أقصى عقوبة لتهاني.. مش عايزها تشوف النور تاني."
لما منى صحيت، بصت لي بخوف مستتر وسألت بهدوء: "إنت مصدقني يا شريف؟" قربت منها : "أنا مصدقك.. وآسف.. آسف إني مشوفتش ده من بدري. بس أنا هنا دلوقتي.. ومش هغيب تاني أبداً."
بكت في حضني وحكت لي كل حاجة.. إزاي تهاني بدأت معاها بالطيب، وإزاي بدأت تزرع الشك في قلبها بالتدريج.. سيطرت على أكلها.. كانت بتعيب في جسمها.. قطعت علاقتها بالناس.. وكانت بترد على رسايل أصحابها على الموبايل كأنها هي عشان تعزلها عن العالم. "كانت بتقول لي كل يوم،" منى همست بوجع، "إنك لو حسيت إني بقيت حمل تقيل عليك.. هتسيبني وتمشي."
تهاني كانت مجرمة محترفة بتستخدم "التلاعب النفسي" والسموم عشان تسرق حياة كاملة مش بتاعتها، مستغلة ثقة شريف وطيبة منى.
تهاني من النوع اللي بيبحث عن "الضحية الضعيفة". لقت منى في
الهدف الأساسي كان الفلوس والبيت. تهاني كانت بتخطط إنها تزيح منى تماماً من الصورة عشان تسيطر هي على كل حاجة. لو منى دخلت المصحة النفسية، شريف كان هيعتمد على تهاني بشكل كلي في إدارة البيت وحياته، ومع الوقت والسرقة الممنهجة (زي ما لقينا الفيزا كارت والدهب في شنطتها)، كانت هتقدر تنهب ثروة كبيرة.
الأسابيع اللي بعد كدة كانت صعبة.. بس ضرورية. علاج نفسي.. كاميرات في كل حتة في البيت.. كوالين جديدة.. وإجراءات قانونية مشددة. التحاليل أثبتت إن الحبوب مهدئات محرمة للحوامل، واكتشفنا إن تهاني كانت بتسرق مبالغ كبيرة ومنتحلة شخصية تانية.
لقينا ملفات في شنطتها فيها خطط وتسجيلات وملاحظات مكتوبة: "الهدف: إضعاف الضحية.. زيادة الاعتماد على الخادمة.. تمهيد لدخول المصحة." إيدي كانت بتترعش وأنا بقرأ.. منى كانت قاعدة جنبي ساكتة.. وقالت بهدوء: "هي مكنتش عايزاني يا شريف.. كنت مجرد عقبة في طريقها للبيت والفلوس." رديت عليها:
بعد تلات أسابيع، منى ولدت. صرخة "نوح" ابني ملأت الأوضة حياة. منى ضغطت على إيدي وهي بتعيط فرحة: "وصل يا شريف.. وصل بالسلامة." "وهو في أمان دلوقتي،" همست لها.
الحياة مصلحتش نفسها بالسحر.. كان فيه ليالي منى بتصحى فيها مفزوعة، ليالي بتسألني: "إنت لسه بتحبني؟"، وليالي كنت بكره فيها نفسي لإني محمتهاش من البداية. بس ببطء.. الضحكة رجعت. في المحكمة، بعد شهور، منى وقفت وشهدت بكل ثبات. قالت جملة خلت القاعة كلها تسكت: "الأسوأ مش اللي عملته تهاني في جسمي.. الأسوأ إنها حاولت تقنعني إني أستحق ده.. إني "ولا حاجة".. بس أنا النهاردة عرفت إني كل حاجة."
بعد سنة، لقيت حتة القماشة القديمة اللي كانت بتمسح بيها الأرض في درج. منى شافتها وقالت: "أنا شيلتها.. عشان منساش أنا كنت فين.. وعشان أحلف إني مش هرجع هناك تاني."
في نفس اليوم، ولعنا في القماشة دي في جنينة البيت. وقفنا أنا وهي ونوح في حضني بنراقبها وهي بتتحول لرماد وتطير مع الهوا. منى مبعيتش.. منى ابتسمت.. وفهمت وقتها إن المعجزة مش بس إننا كشفنا الشيطانة اللي كانت
الكاتبة نرمين عادل همام
تمت.