نرمين عادل همام

خطه الخدامه والهروب من الحقيقه

لمحة نيوز

خطّة الخدامة.. والهروب من الحقيقة بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

رجعت البيت بدري عشان أفاجئ "منى" مراتي، وهي حامل. بس أول ما دخلت، لقيتها قاعدة على ركبها على الأرض، بتعيط وبتفرك في جلدها، والعمال واقفين يتفرجوا... وعشان كدة قلبي اتكسر

"تهاني" الشغالة لفت ببطء وهي لسه ماسكة في إيدها حتة فاكهة، والعصير بينزل منها نقط بسيطة على رخامة المطبخ. أول ما شافتني واقف على الباب، وشها اتخطف ولونه هرب لدرجة تخوف.

"ي- يا شريف بيه.. أنا.." مسمعتش الباقي.. كل اللي جوايا اتجمع في نقطة واحدة.

دخلت الصالة في خطوتين ورميت نفسي على ركبي جنب "منى" مراتي. شديت حتة القماشة اللي ريحتها جاز ووسخة من إيدها اللي كانت بتترعش.. صوابعها كانت وارمة ومتشققة، والجلد عند العقل ملتهب جداً من كتر الكيماويات. دراعاتها كانت حمرا كأنها كانت بتهري نفسها دعك في السجاجيد والحيطان بقالها ساعات.

"منى.. يا حبيبتي.. بصي لي.. أنا هنا.. متخافيش." بس هي معملتش اللي كنت متخيله.. منى خافت مني!

رجعت لورا وهي لسه على ركبها، وحطت إيدها حولين بطنها كأنها بتحمي ابننا مني أنا كمان! "لا.. أرجوك متودنيش السرايا الصفراء.. والله هسمع الكلام.. والله هبقى كويسة.. متخدش ابني مني.." كانت بتشهق وهي بتموت من الرعب "أنا مش مجنونة.. والله العظيم ما مجنونة يا شريف!"

في اللحظة دي حسيت بوجع في صدري كأن حاجة اتكسرت بعنف. لفت راسي ببطء لتهاني.. كانت واقفة

وبتقول بصوت واطي ومتمكن كأنها "صعبة عليها" بجد: "يا فندم أنت مش فاهم، منى هانم حالتها صعبة بقالها أسابيع.. كانت بتخرف وتهاجم أي حد، أنا كنت بحاول أسيطر على الوضع بس.. دي حتى مكنتش بتعرف الحقيقة من الخيال.. أنا عملت كل اللي أقدر عليه عشان أستر عليها."

"اخرسي." كلمتي طلعت واطية بس حادة كأنها موس. تهاني سكتت للحظة وحاولت تتكلم تاني: "يا بشمهندس خليني أشرح لك—" "قلت لك اخرسي!"

قلعت الجاكيت بتاعي ولفيته حولين كتاف منى المبلولة. كانت بتترعش بهستيريا، مش من البرد.. من الرعب. "منى.. ده أنا، شريف،" همست لها وصوتي بيقطع، "محدش هيلمسك، ومحدش هياخدك في حتة.. مفيش مخلوق هيقدر يؤذيكي تاني.. أوعدك."

عينيها اتملت دموع وقالت: "بس.. تهاني قالت إنك زهقت مني.. إنك مكسوف من شكلي وتصرفاتي قدام أهلك وأصحابك.. وقالت إنك اتفقت مع دكاترة وهتوقع ورق المصحة النفسية قبل ما البيبي يجي عشان تخلص من دوشتي.."

كل كلمة كانت بتنزل عليا كأنها سيف. عيني وقعت بالصدفة على ملف لونه بيج على الطرابيزة.. فتحته ولقيت جواه مقالات مطبوعة من النت عن "ذهان الحمل" ونماذج لطلب دخول مصحات خاصة، وورقة مزورة فيها اسمي وإمضائي كجهة اتصال أساسية.. والتاريخ من تلات أيام بس!

حسيت بمرارة في حلقي.. الموضوع مكنش مجرد قسوة، دي كانت "خطة" مدروسة عشان تطفشها وتستولى على البيت. تهاني رجعت لورا خطوة: "الموضوع مش زي ما أنت فاهم يا بيه—" طلعت موبايلي وقلت

لها: "هتشرحي لرجالة القسم بالضبط إيه اللي أنا فاهمه."

أول ما طلبت النجدة، وشها اتقلب 180 درجة وقالت بوقاحة وعين قوية: "متمثلش بقا دور الحنين دلوقتي! أنت مكنتش موجود أصلاً وسايبها بالشهور! أنا عملت اللي الست دي كانت محتاجاه عشان البيت يفضل "نضيف" وماشي بنظام."

منى شهقت شهقة مكتومة ورايا. فتحت الـ Speaker ورديت على النجدة: "أيوة.. محتاج نجدة وإسعاف حالاً في التجمع.. مراتي الحامل بتتعرض لتعذيب واحتجاز في بيتي، والست اللي عملت كدة لسه هنا."

تهاني جريت ناحية المطبخ عشان تاخد شنطتها وتهرب من باب المطبخ، بس سبقتها وركلت الشنطة بعيد وقفت قدام الباب: "ولا خطوة تانية." "أنت محبسنيش هنا! هصوت وألم عليك الناس!" "صوتي براحتك.. بس مش هتمشي قبل ما تتحاسبي على اللي عملتيه في مراتي."

وشها اتغير تماماً.. الخوف اختفى وحل مكانه برود وشيطنة، وقالت بسخرية: "بتسمي ده تعذيب؟ دي كانت مكسورة وخالصانة خلقة.. طول الوقت بتعيط وتعتذر، وتطلب الإذن في أي حاجة.. أنا بس دوست على الحتة اللي واجعة عندها."

الجملة دي جمدتني.. لأن جزء منها—قبيح وصغير—كان صح. منى فعلاً كانت بتعتذر كتير الفترة اللي فاتت.. بتعتذر لو تعبت، لو وزنها زاد، لو نامت بدري.. وأنا كنت فاهم إن ده توتر حمل عادي ومخدتش بالي إن فيه شيطان في بيتي بيستغل ضعفها.. كنت غبي.. غلطت غلطة عمري في حقها.

الشرطة وصلت ومعاهم الإسعاف. منى أول ما شافت الأمين والضابط اتفزعت

وخافت يخدوها، والضباط اضطروا يقعدوا على ركبهم جنبها ويكلموها بهدوء ولطف كأنها طفلة خايفة. مسبتهاش ثانية واحدة.

المسعف كشف عليها ووشه اتقبض: "عندها التهاب جلدي حاد نتيجة ملامسة منظفات كاوية، وجفاف، وحالة نهجان وتوتر خطيرة.. ده غلط جداً على الجنين ومحتاجة تتنقل المستشفى فوراً."

تهاني فضلت تردح وتكذب وتقول إن منى هي اللي كانت بتضربها وإنها "مختلة". لحد ما منى همست بصوت يدوب مسموع: "موبايلي.. الـ "آيفون" بتاعي.." الكل سكت.. "تهاني خدته مني من شهرين.. قالت لي إن الموجات بتاعته خطر على الواد.. ومكنتش بتخليني ألمسه إلا لما هي تعوز وتراقبني.."

الضابط بصلها بحدة وأمر العسكري يفتش شنطة تهاني.. ولقى جواه موبايل منى، والفيزا كارت بتاعتي، وانسيال دهب كان ضايع بقاله فترة.. وإزازة صغيرة فيها حبوب بيضاء غريبة.. المسعف خدها فوراً وقال: "دي مهدئات قوية جداً وممنوعة للحوامل.. غالباً كانت بتحطها لها في الأكل عشان تهد حيلها."

المسعف مسك شريط الحبوب وقال بلهجة حازمة: "دي لازم تروح المعمل تتحلل فوراً". أنا جسمي كله كان بينتفض من الغضب.. "شريف" (الزوج) كان حاسس إن رجليه مش شايلة.

بصيت لتهاني اللي كانت واقفة زي الصنم، وسألتها بصوت مرعب: "كنتي بتديها إيه يا مجرمة؟" تهاني فضلت ساكتة وعينها قوية.. بس "منى" اتكلمت بصوت طالع بالعافية، كأنه جاي من بعيد: "بالليل.. كانت بتحط لي نقط في اللبن.. كانت بتقول لي دي فيتامينات

عشان الواد.. كنت بصحى مهدودة.. الدنيا بتلف بيا.. وساعات مكنتش بفتكر أي حاجة حصلت طول اليوم.."

 

تم نسخ الرابط