تعملي إيه لو عرفتِ إن 'حماتك' اللي لبستِ الأسود في عزاها، قاعدة ورا الحيطة بتسمع صوت ضحككم كل ليلة ومستنية اللحظة اللي تخلصك فيها من إبنها؟
كشهقات مذعورة
المواجهة المستحيلة
دخل ياسين الجناح. كانت خطواته واثقة، لا تشبه خطوات رجل يدخل مكاناً مهجوراً، بل خطوات سجان يتفقد رعيته. سمعتُ صوت الكرسي الخشبي وهو يتحرك مرة أخرى.
لسه صاحية يا ست الكل؟
صوت ياسين كان ناعماً، ناعماً جداً، لدرجة جعلتني أتساءل كيف لهذا الصوت أن يخفي خلفه قضبان سجن لثماني سنوات؟
قالت الست ليلى بهمس، وهي تميل برأسها نحوي استخبي يا فريدة.. بس المرة دي، مش في الحمام. استخبي في الضلمة، وشوفي حقيقة الراجل اللي وافقتي تتجوزيه.
تحركتُ كالممسوسة، اختبأتُ في زاوية مظلمة خلف خزانة ملابس عتيقة في الجناح، حيث لا يمكن للضوء القادم من الممر أن يصلني. يدي كانت ترتعش وهي تبحث عن هاتفي في جيبي.. لم أكن أعرف لماذا، لكن غريزتي أخبرتني أنني بحاجة إلى دليل.
المواجهة المستحيلة السجان والسجينة
دخل ياسين الجناح. كانت خطواته واثقة، لا تشبه خطوات رجل يدخل مكاناً مهجوراً، بل خطوات سجان يتفقد زنزانته. سمعتُ صوت الكرسي الخشبي وهو يتحرك مرة أخرى ببطء.
أشعلتُ كاميرا الهاتف، وضعتها على وضع التصوير الصامت وبدأتُ التسجيل من خلف الخزانة.
لسه صاحية يا ست الكل؟ قالها ياسين بنبرة تقطر سماً. مش قولتلك
ردت الست ليلى بصوت ثابت، وهي تنظر إليه بعيون اخترقت هدوءه المصطنع الدبان والناس الفضولية يا ياسين؟ ولا خايف من شبح أمك اللي قتلتها ودفنتها؟
تجمدت الدماء في عروقي. كانت الكاميرا تسجل كل كمة.
ضحك ياسين ضحكة هزت جدران الغرفة، ضحكة خالية من أي مشاعر
قتلتك؟ إنتي لسه عايشة أهو، وبتاكلي وتشربي، وبكدب على الناس كل يوم عشان أخبيكي.. ليه؟ عشان أنقذك من نفسك!
ردت الست ليلى بسخرية
بتنقذني من نفسي؟ ولا بتنقذ نفسك؟ إنت خايف أقول لفريدة إنك اللي سميت أبوك عشان تورثه.. وخدتني أنا هنا، سجينتك، عشان مكنش الشاهدة على جريمته. تمان سنين وأنا بقول للحيطان دي إن ابني قاتل!
لحظة الكشف عن السر
ساد صمت مميت لثوانٍ، ثم اقترب ياسين من أمه، وجهه لا يبعد عن وجهها سوى سنتيمترات، ملامحه تغيرت تماماً، أصبحت قناعاً من الشر الخالص.
اسمعي يا أمي.. أبويا كان عقبة في طريقي، وأنتي كنتِ هتبقي عقبة تانية. أنا معملتش حاجة غلط، أنا بس سرعت موته عشان أقدر أعيش حياتي، وعشان أخليكي تعيشي ملك هنا.
ملك في سجن؟ صرخت الست ليلى. وفريدة؟ فريدة
ابتسم ياسين ابتسامة باردة جداً، وقال
فريدة مش هتحتاج تعرف أي حاجة.. فريدة هتعيش معايا، وهتهتم بيا، وهتورث معايا كل حاجة، طالما هي مطيعة.
الانفجار
في تلك اللحظة، رن هاتفي! اللعنة.. نسيت أن أضعه على الصامت.
انقطع صوت ياسين تماماً. سمعتُ صوت أنفاسه تقترب من الباب الذي أقف خلفه.
فريدة؟ أنتي هنا؟
فتح الباب ببطء.. الضوء المنبعث من الممر رسم ظله العملاق على الحائط أمامي.
الانفجار
قبل أن تلمس يده مقبض الباب، صرخت الست ليلى فجأة ياسين! الحقني.. قلبي!
ارتبك ياسين واندفع نحو أمه. كانت تمثل النوبة القلبية ببراعة أذهلتني. استغللتُ الفرصة وخرجتُ كالسهم من الجناح، ركضتُ نحو الصالة، ومنها إلى باب الشقة الخارجي.
لم أكن أهرب من البيت فقط.. كنت أهرب من حقيقة أنني لم أكن أعلم مع من اعيش طول حياتى.
لم تتوقف قدماي عن الركض حتى وصلت إلى الشارع الرئيسي. كان صوت أنفاسي يسبقني، ويداي ترتجفان وهي تمسك بالهاتف الذي يحمل الصندوق الأسود لحياة ياسين. لم أتردد لحظة واحدة؛ ضغطت على أرقام النجدة.
ألو.. الحقوني.. في جريمة حبس وقتل في فيلا المنصوري.
لم تمر سوى دقائق، كانت تبدو كأنها دهور، حتى ملأت أضواء الشرطة الزرقاء والحمراء المكان. رأيت ياسين وهو يخرج مكبلاً بالأصفاد، وجهه الذي كان دائماً يرتدي قناع البراءة كان الآن شاحباً، منكسراً، وعيناه تشتعلان غلاً وهو ينظر إليّ. لم أنطق بكلمة، فقط رفعت هاتفي في وجهه، مشيرةً إلى الفيديو الذي سجلتُه.
اقتحم رجال الشرطة الجناح المهجور. وبعد لحظات، خرجوا وهم يسندون الست ليلى. كانت تمشي ببطء، وكأنها تخرج من القبر إلى النور لأول مرة منذ ثماني سنوات. بمجرد أن رأت السماء، استنشقت هواء الليل بعمق، ثم نظرت إليّ وابتسمت ابتسامة حقيقية هذه المرة.
في قسم الشرطة، انهار كل شيء بناه ياسين. لم يكن الفيديو فقط هو الدليل، بل اعترافات الست ليلى، والأوراق التي كانت تخبئها في مرتبة سريرها طوال تلك السنين، والتي تثبت تورطه في تسميم والده وتزوير أوراق الوفاة الخاصة بها.
الخاتمة
بعد أشهر، وقفتُ أمام نفس البيت، لكن هذه المرة لأضع لافتة للبيع. الست ليلى سافرت لتعيش ما تبقى من عمرها في هدوء بعيداً عن ذكريات السجن، وياسين نال جزاءه خلف القضبان.
نظرتُ إلى الجناح المهجور لآخر مرة، وأدركتُ أن الحقيقة قد تُدفن، وقد يطول صمتها، لكنها في النهاية