تعملي إيه لو عرفتِ إن 'حماتك' اللي لبستِ الأسود في عزاها، قاعدة ورا الحيطة بتسمع صوت ضحككم كل ليلة ومستنية اللحظة اللي تخلصك فيها من إبنها؟
تعملي إيه لو عرفتِ إن حماتك اللي لبستِ الأسود في عزاها، قاعدة ورا الحيطة بتسمع صوت ضحككم كل ليلة ومستنية اللحظة اللي تخلصك فيها من إبنها؟
خريف الصمت ما قبل المواجهة
كان ياسين هو الرجل المثالي في نظر الجميع؛ هادئ، حنون، وناجح. لكن بالنسبة لي، كان ياسين لغزاً يبدأ مفعوله حين تدق الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
كنا نعيش في بيتنا الهادئ، لكن على بُعد أمتار قليلة داخل نفس الأرض، كان هناك ذلك الجناح المهجور أو كما كان يطلق عليه بيت الترميم. ثماني سنوات من الوعود بأن العمال سيبدأون العمل غداً، وأن المكان غير آمن للسكن.
الفضول الذي لا ينام
في كل ليلة، كنت أتظاهر بالنوم، وأراقب طيفه وهو ينسحب من الفراش بحذر شديد. كان يخرج من غرفتنا بخطوات لا يسمعها حتى الجن، متجهاً إلى ذلك الجناح. كنت أقف خلف ستارة النافذة، أراه يدخل هناك ومعه حقيبة صغيرة، ويغيب لساعات.
لماذا يذهب في هذا الوقت؟
لماذا يصر على إغلاق الباب بالمفتاح من الداخل؟
والأهم.. ما هو صوت الضحك الباهت الذي كنت أسمعه أحياناً في الليالي العاصفة، وكأنه يخرج من بين شقوق الحوائط القديمة؟
ليلة السقوط
في تلك الليلة، غاب ياسين لفترة أطول من المعتاد. نسي مفاتيحه على طاولة القهوة في الصالة، وكانت تلك هي الإشارة التي انتظرها فضولي طويلاً. حملتُ قلبي بين ضلوعي وتوجهت نحو الجناح.
البرد
يا أهل البيت.. حد هنا؟
صوتي كان طالع غريب، مهزوز، كأنه مش طالع من حنجرتي أنا. وكأن الحيطان هي اللي بترد عليا بصدى صوتي الباهت. السكوت اللي ساد المكان بعد سؤالي كان مرعب أكتر من الضلمة نفسها، سكوت مش معناه إن البيت فاضي، بالعكس، سكوت بيقول إن فيه حد مستني.
البيت كان مسكون بحاجة تانية غير العفاريت.. كان مسكون بالأسرار.
فجأة، سمعت الصوت. صوت خشب بيحك في الأرض.. كرسي بيتحرك ببطء في آخر طرقة البيت. قلبي اتنفض من مكانه، ورجليا اتحركت لوحدها كأنها متبرمجة، خطوات بطيئة، مهزوزة، وكل خطوة كانت بتتقال على قلبي كأن الأرض بتسحبني لتحت.
الطرقة كانت طويلة بشكل مش طبيعي، وصور ياسين جوزي وهي متعلقة على الحيطان كانت بتبصلي بنظرات باردة لأول مرة ألاحظها. وصلت لباب غرفة السفرة.. وهناك، شفتها.
ست قاعدة، مدياني ضهرها. شعرها أبيض وتلجي، ملموم في كعكة منظمة جداً. كانت رفيعة، ساكنة تماماً، وكأنها تمثال منحوت من الوجع. قاعدة ومستنية.. كأنها عارفة إني هوصل في اللحظة دي بالظبط.
ست.. ست ليلى؟ همست باسمها والخوف واكل نص حلقي.
الست ما اتحركتش فوراً. مالت
اتأخرتي كتير يا بنتي.. كنت فاكرة إنك أذكى من كدة وهتيجي بدري.
روحي اتسحبت مني. الصوت ده.. النبرة دي.. أنا عارفاها كويس. دي الست اللي حضرت عزائها من شهر!
بس.. إزاي؟ صوتي كان بيترعش لدرجة البكاء.. إنتي.. إنتي متي! أنا وقفت في غسلك.. أنا شوفت القبر وهو بيتقفل عليكي!
الست ضحكت ضحكة مكتومة، ضحكة خالية من أي فرح، ضحكة كلها تعب وسنين من القهر.
ده اللي هما حبوا يفهموهولك.. ده اللي ياسين رسمه وصدقتيه.
لما لفت وشها بالكامل، فهمت كل حاجة. وشها مكنش وش ست مريضة أو بتموت، عينيها كانت صافية بشكل مرعب، عيون واعية بزيادة لدرجة تخوف.
اقعدي يا فريدة، قالتها بهدوء غريب وهي بتشاور على الكرسي اللي قدامها. جه الوقت اللي تعرفي فيه الحقيقة اللي اندفنت وهي صاحية.
رجليا خذلتني وقعدت قدامها وأنا مش قادرة أشيل عيني من عليها.
ياسين قالك إن البيت ده بيترمّم بقاله ٨ سنين، صح؟ وعشان كدة ممنوع تدخلي الجناح ده؟
هزيت راسي بآلية وأنا بفتكر مبرراته طول السنين اللي فاتت.
تنهدت ليلى بحسرة
٨ سنين يا فريدة.. تمان سنين وهو بيمسح وجودي من حياتك. تمان سنين وأنا هنا، مسجونة في الترميم اللي مبيخلصش. كان بيجيبلي الأكل زي السجين، ويطلع للناس يقولهم ليلى تعبانة، ولما زهق خالص، قرر يموّتني
البرد اللي في صدري زاد ليه؟ ليه يعمل كدة في أمه؟
بصتلي الست ليلى نظرة اخترقت روحي وقالت
عشان أنا الوحيدة اللي عارفة ياسين يبقى مين بجد.. وعارفة هو عمل إيه في أبوه، وعمل إيه عشان يوصل لثروته.. هو خاف مني عشان أنا مكنتش بخاف منه، وعمري ما صدقت تمثيلياته.
سكتت لحظة، والهدوء رجع يسيطر على الأوضة، بس المرة دي كان هدوء ما قبل العاصفة.
ياسين مكنش عايزنا نتقابل يا فريدة، عارفة ليه؟ عشان الخوف عدوى.. وأنا النهاردة هنقلك العدوى دي عشان تنقذي نفسك قبل ما يبني ليكي جناح ترميم إنتي كمان.
في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح بيلف في باب البيت البرهاني.. وصوت خطوات ياسين بتقرب من الطرقة وهي بتنادي
ماما؟ إنتي فين يا حبيبتي؟
بصيت للست ليلى، لقيتها ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت
استعدي.. العرض هيبدأ
كان صوت مفاتيح ياسين في الباب الخارجي يشبه صوت طلقات الرصاص في صمت الليل. نظرتُ إلى الست ليلى أو شبحها الجالس أمامي فكانت لا تزال محتفظة بابتسامتها الباردة.
ماما؟ إنتي فين يا حبيبتي؟
صوت ياسين كان ناعماً، لدرجة جعلتني أتساءل كيف لهذا الصوت أن يخفي خلفه قضبان سجن لثماني سنوات؟
قالت الست ليلى بهمس وهي تميل برأسها نحوي ادخلي الحمام اللي جوه الجناح ده.. فوراً! لو شافك هنا، القبر اللي قفله عليا مكنش الأخير.. كان مستني حد يملى
تحركتُ كالممسوسة، اختبأتُ خلف الباب الخارجي للجناح، وضعتُ يدي على فمي لأكتم أنفاسي التي كانت تخرج