روايه الحاجه زينب بقلم منال علي

لمحة نيوز

مرات ابني رمت الكوتشي في وشي قدام العيلة كلها... بس قبل ما العشا يخلص، الست العجوزة كشفت سر وقّع كل الأقنعة اللي في الأوضة!!!!!!!
اخرسي بقى، يا ست يا عجوزة مفيش من وراكي فايدة!
الصرخة دوت في المطبخ زي الرصاصة.
الحاجة زينب اتنفضت لدرجة إن صوابعها فلتت من الفوط اللي كانت بتطبقها على حجرها. وهي في سن التسعة وسبعين، جسمها كان اتعود على الوجع، على التيبس، على ليالي السهر والصباحات التقيلة. بس في كلام لسه بينزل على القلب زي الضربة بقلم منال علي 
كان الفجر يا دوب بيشقشق.
القهوة لسه بتطلع بخار.
الشمس يا دوب بدأت تزق نورها الباهت من الشباك.
والمطبخ، المكان الوحيد اللي كان بيديها شوية سلام في الوقت ده، اتحول لساحة حرب.
وقفت الحاجة زينب في بيتها القديم، وإيديها المورمة من الروماتيزم متكورة على بعضها، بتحاول تصغر حجمها. بتحاول، زي دايماً، إنها ماتكونش حمل تقيل على حد.
دي بقت حياتها بقلم منال علي 
من ساعة ما السيل هدم بيتها الصغير في البلد، من ساعة ما المكان الوحيد اللي كان مأويها اختفى تحت الطين والمطر، وهي عايشة في بيت ابنها محمود كأنها في فترة اختبار صامتة. كل لقمة، كل نفس، كل خطوة في الطرقة كان بيجي معاها نفس التحذير اللي مابيتنطقشبقلم منال علي 
ماتخديش

مساحة...ماتطلبيش حاجة....ماتعمليش مشاكل.
قضت الصبح بتعمل اللي متعودة تعمله دايماً، بتدور على أي حاجة صغيرة تكون بيها مفيدة عشان محدش يقول عليها عالة.
غسلت طقم التمرين بتاع حفيدها عمر على إيديها امبارح بالليل.
دعكت بقع النجيل لحد ما عقل صوابعها وجعتها.
نشرته بحرص على الحبل.
وشقرت عليه مرتين قبل الفجر.
بس الجو كان مندي طول الليل، والقماش كان لسه مبلول شوية.
ده كان السبب.
الحاجة التافهة دي.
طقم تمرين مندي شوية.
ده كل اللي كان محتاجه الموقف عشان رانيا تنفجر.
يا رانيا، قالتها الحاجة زينب بصوت واطي، كأنها بتعتذر قبل ما تكمل كلامها، طقم التمرين بتاع عمر لسه مندي شوية. أنا سيبته بره طول الليل، بس الرطوبة...
مالحقتش تكمل.
رانيا لفت من على باب المطبخ، شنطتها في إيدها، والغضب مرسوم على وشها من قبل ما تتكلم.
عديمة الفايدة! صرخت فيها. إنتي بتبوظي كل حاجة!بقلم منال علي 
رانيا ما اكتفتش بالصريخ.
شدت الكوتشي الرياضي من على السفرة، ولوّحت بيه في الهوا، وبعدها رمته ناحية الحاجة زينب بعصبية.
الكوتشي خبط في كتفها ووقع على الأرض.
سكت البيت كله.
حتى عمر، اللي كان واقف بيحاول يلبس هدوم المدرسة، وقف مكانه وبص لجدته بعينين متوسعين.
الحاجة زينب ما قالتش كلمة.
بس انحنت بصعوبة،
ورفعت الكوتشي من على الأرض، ومسحت عليه بإيدها كأنها هي اللي غلطانة.
محمود دخل المطبخ في اللحظة دي.
بص لمراته. وبص لأمه. وبعدين نزل عينه في الأرض.
خلاص يا رانيا... سيبيها.
قالها بصوت ضعيف، الصوت اللي كانت الحاجة زينب حافظاه كويس. نفس الصوت اللي بيطلع منه كل مرة لما يخاف يعمل مشكلة.
رانيا زقت الكرسي برجليها وقالت بحدة
أنا تعبت! كل يوم وراها مصيبة! مرة تنسى البوتاجاز، مرة توقع المية، مرة تبوظ هدوم الولد!
الحاجة زينب فتحت بقها عشان تقول إنها ما نسيتش البوتاجاز، وإنها عمرها ما وقعت المية غير مرة لما ركبتها وجعتها، لكن الكلمات وقفت في زورها.
عمر قرب من جدته، ومسَك طرف جلابيتها.
تيتا ما عملتش حاجة.
رانيا شدته من إيده بعنف.
يلا اتأخرت!
وخرجت.
وبعد ساعة، خرج محمود هو كمان للشغل.
وقبل ما يقفل الباب، بص لأمه بسرعة وقال
معلش يا أمي... أصلها متعصبة.
وبعدين مشي.
الحاجة زينب فضلت واقفة في المطبخ لوحدها.
بصت للكوتشي اللي لسه في إيدها.
وبعدين حطته جنب الباب، ومسحت دمعة نزلت من غير ما تحس.
في الليل، رانيا أصرت تعزم أخوها ومراته وأمها على العشا.
كانت عايزة تبين قدامهم إنها ست بيت شاطرة، وإن كل حاجة في البيت تحت سيطرتها.
من بدري وهي بتدي أوامر للحاجة زينب
طلعي الطقم الكبير.
اغسلي الرز. امسحي السفرة. ما تدخليش الصالون وإحنا قاعدين.
الحاجة زينب كانت بتنفذ من غير كلمة.
ولما الضيوف جم، دخلت أوضتها الصغيرة وقفلت الباب عليها.
الأوضة ما كانتش أوضة أصلاً.
كانت مخزن قديم جنب الحمام، فيه سرير حديد ودولاب مكسور.
قعدت على طرف السرير، وسمعت ضحكهم بره.
سمعت رانيا وهي بتحكي وهي بتضحك
والله دي لو سيبتها يوم لوحدها تولع في البيت!
والكل ضحك.
حتى محمود.
الحاجة زينب حست بحاجة بتتكسر جواها.
لكن قبل ما تقوم تقفل ودنها بالمخدة، سمعت خبطتين خفاف على الباب.
فتحت.
لقيت أم رانيا واقفة.
الست الكبيرة كانت ساكتة طول اليوم، ما قالتش كلمة تقريباً.
اسمها أمينة.
وكانت ست في أواخر السبعين، لكن عينيها كان فيهم حاجة تخوف.
دخلت وقعدت على الكرسي الصغير.
وقالت بهدوء
إنتي لسه محتفظة بالمفتاح؟
الحاجة زينب اتجمدت.
مفتاح إيه؟
أمينة بصتلها جامد.
مفتاح الدولاب اللي في أوضتك القديمة في البلد.
الحاجة زينب ما ردتش.
لكن إيديها بدأت ترتعش.
أمينة طلعت من شنطتها ظرف قديم أصفر.
أنا لقيت ده من شهرين... لما بيتكم وقع. العمال كانوا بيشيلوا الردم، والظرف وقع من جوه الدولاب المكسور. قريته... وعرفت إنك ساكتة طول السنين دي كلها.
الحاجة زينب خطفت الظرف من إيدها بسرعة.
ما تقوليش حاجة.
.. أرجوكي.
لكن في نفس اللحظة، باب الأوضة اتفتح.
رانيا كانت واقفة، وراها
تم نسخ الرابط