نرمين عادل همام

فى عيد ميلادى الستين

لمحة نيوز


خالد رفع إيده وقال التسجيل واضح والاعتراف أوضح.
في اللحظة دي، حسيت بقوة عمري ما حسيتها قبل كدة؛ قوة إني أختار نفسي لأول مرة في حياتي. قلت بهدوء أنا هعمل محضر، مش عشان أنتقم، لكن عشان تعرف إن الأم مش ملكية خاصة، وإن الاحترام مش بيتفرض بالضرب.
ساعتها عصام فقد أعصابه وقلب الترابيزة، والكاسات اتكسرت والصوت علي والعيال عيطت، لكن الغريب إني ما خفتش المرة دي؛ حسيت إن الخوف مات جوايا مع آخر صفعة.
الشرطة جت بعد ما خالد اتصل، وكل حاجة اتسجلت والشهود شهدوا. عبير حاولت تنكر لكن الفيديو كان كافي. عصام اتاخد وهو بيبص لي بنظرة عمرها ما هتتنسي، خليط بين غضب وصدمة وخيانة، كأنه شايف إني أنا اللي خنته مش هو اللي كسرني.
الأيام اللي بعدها كانت صعبة؛ كلام الناس ونظرات الشفقة وأسئلة العيلة، لكن لأول مرة كنت بنام من غير ما أراجع في دماغي جملة هو قالها ووجعتني.
المحكمة حكمت عليه بحكم مع إيقاف التنفيذ وغرامة، وإلزامه بحضور جلسات تأهيل للسيطرة على الغضب وأمر بعدم التعرض ليّ. وعبير خرجت من حياته بعدها بفترة، لأنها اكتشفت إن اللي بيضرب أمه ممكن في يوم يمد إيده عليها هي كمان.
بعد شهور طويلة، خبط

على بابي.. واقف لوحده، مكسور، مش متكبر زي يوم عيد الميلاد. قال لي أنا غلطت وأنا آسف.. مش عارف أسامح نفسي قبل ما تسامحيني.
بصيت له وشفت في عينه حاجة مختلفة، مش تحدي ولا غرور، لكن ندم حقيقي. قلت له السماح طريق طويل ومش هيوصل في يوم وليلة، لكن أول خطوة فيه إنك تعترف وتغير نفسك.
وهو بدأ فعلاً علاج وحضور جلسات، وأنا بدأت أتعلم إزاي أحط حدود وأقول لأ من غير ما أحس بالذنب.
في عيد ميلادي الستين السنة اللي بعدها، وقفت قدام تورتة جديدة، وعيني سليمة، وقلبي أهدى. عصام كان واقف بعيد شوية، مش جنّبي لكن مش بعيد قوي. رفع كاسه وقال السنة دي مش جاي أضحك ولا أتباهى، جاي أقول إن أمي علمتني معنى الاحترام الحقيقي.. الاحترام اللي ما فيهوش إيد مرفوعة ولا صوت عالي.
ساعتها بس حسيت إن الوجع اللي عديت بيه ما راحش هدر، وإن أقسى لحظة في حياتي كانت هي نفسها اللحظة اللي أنقذتني وأنقذته؛ لأن أوقات كتير العدالة مش بتفرق عيلة، لكنها بتعيد بنائها من جديد على أساس صح.
بعد ما خلص عيد ميلادي الستين والناس مشيت وهدوء الليل نزل على البيت زي بطانية تقيلة، قعدت لوحدي في الصالة. نفس الصالة اللي قبلها بسنة كانت شاهدة
على أكتر لحظة كسرتني في حياتي. بصيت حواليا على نفس النجفة ونفس الترابيزة ونفس الحيطة اللي كنت سنداها وأنا حاسة إني أضعف ست في الدنيا..

لكن الإحساس المرة دي كان مختلف تماماً.. كان إحساس بالانتصار، مش على ابني، لكن على الضعف اللي كان هيضيعنا إحنا الاتنين.
المرة دي ما كانش فيه خوف مستخبي تحت جلدي ولا توتر مستني ينفجر، كان فيه هدوء غريب ممزوج بحذر؛ يمكن لأول مرة في حياتي أكون أنا، مش مستنية حد يرضى عني ولا خايفة من زعل حد عليّ.
بعد شهور من جلسات العلاج اللي عصام التزم بيها، بدأت أشوف تغييرات صغيرة، مش في كلامه بس لكن في طريقته وهو بيسمع. كان زمان لما أتكلم يقاطعني أو يلف الموضوع عليه، دلوقتي بقى يسكت ويبص في عيني كأنه فعلاً بيحاول يفهم مش يرد.
أول مرة قال لي أنا اكتشفت إني كنت شايفك أضعف مما إنتي عليه، حسيت الجملة دي كسرت حاجة قديمة جوايا. يمكن كنت أنا كمان شايفة نفسي كدة، يمكن سنين التضحية والسكوت خلّتني أصدق إني فعلاً لازم أتحمل وأعدي وأغفر من غير حساب، لكن الحقيقة إن المسامحة من غير حدود بتتحول لاستباحة.
وهو بدأ يعترف بحاجات عمره ما قالها قبل كدة؛ اعترف إنه كان دايماً حاسس
إنه أقل من توقعاتي، وإن أي ملاحظة مني كان بيسمعها إهانة مش نصيحة، وإن جوازه من عبير كان جزء منه هروب من إحساسه إنه لسه طفل قدام أمه مش راجل قد الدنيا، وإن لما كانت تشتكي له مني كان بيحس إنه لازم يختار طرف يثبت لنفسه إنه مش ضعيف.

المشكلة إنه اختار يثبت ده بالطريقة الغلط؛ اختار القوة بالعنف بدل ما يختارها بالثبات والاحترام. وأنا بدوري بدأت أحضر جلسات دعم لضحايا العنف الأسري، وهناك سمعت قصص ستات أصغر مني وأكبر مني، كل واحدة فيهم كانت فاكرة إن اللي بيحصل لها حالة فردية وإنها السبب بطريقة ما، وإنها لو اتكلمت البيت هيخرب، لكن البيوت اللي بتتبني على الخوف هي أصلاً مهددة بالانهيار في أي لحظة.
بدأت أفهم إن اللي حصل لي ما كانش بس عن عصام ولا عن عبير، كان عن ثقافة كاملة بتبرر للراجل غضبه وبتطلب من الأم صبر بلا نهاية. بدأت أتكلم مع قريباتي وصديقاتي بصراحة عن اللي حصل؛ يمكن بعضهم اتصدموا وبعضهم حاولوا يقنعوني إني كان ممكن أحل الموضوع بهدوء من غير محاكم وأقسام، لكن أنا كنت عارفة إن الهدوء اللي بيقصدوه هو نفس الصمت اللي كان هيوديني لقبر بطيء.
وعصام بدأ ياخد خطوات جدية؛ نقل شغله لفرع أقرب
عشان يحضر جلسات أكتر، وباع العربية اللي كان دايماً

 

تم نسخ الرابط