امانى سيد
حادثه جوزى ١
حياتها عشان خاطر سراب، وإن تضحيتها مكنش ليها أي لازمة. بصت لصورة عيالها، وقالت في نفسها: "أنا بشتغل عشانكم أنتوا، أنتوا اللي بتدوني القوة عشان أكمل".
فتحت طاقة قدر جديدة لنفيسة لما رأفت رمى العكاز تماماً، وبقى يمشي على رجله وكأن مفيش حادثة حصلت. نفيسة في اللحظة دي مكنتش شايفة نكرانه لجميلها، كانت شايفة "باب فرج" هيتقفل قدامه تعب المولات والمسح والكنس.
بكل "الجدعنة" اللي في دمها، راحت نفيسة لواحد من معارفها القدام في المول، راجل صاحب شركة كبيرة كانت بتنضف مكتبه بضمير، وترجته بكل عشم: "يا سعادة البيه، جوزي محاسب وشاطر، بس الدنيا جت عليه بالحادثة، ابوس إيدك اعتبرها صدقة في عيالي وشغله معاك".
والواسطة نجحت.. رأفت استلم الشغل، محاسب بقميص مكوي وكرافتة، ورجع البيت أول يوم وفي إيده "شنطة المحاسب" اللي كانت نفيسة بتحلم بيها.
نفيسة استقبلته بضحكة غايبة عنها من سنين، وقالتله بعفوية:
"مبروك يا رأفت، مبروك يا حبيبي.. أخيراً الواحد هيفرد ضهره بقى، أنا هكلم السوبر فايزر في المول بكرة وأقوله إني هسيب الشغلانة التانية دي،
رأفت وهو بيقلع القميص بكل برود، من غير ما يبص لها حتى، رد بلهجة حادة زي الموس:
تقعدي فين؟ أنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟ المرتب اللي هاخده يادوب يمشيني أنا ومظهري في الشركة الجديدة، برستيجي كـ "محاسب" محتاج لبس ومصاريف.. أنتِ عاوزة الناس تقول عليا إيه؟"
"وبعدين أنتِ خلاص خدتي على الشغل، وجسمك نحس على الهدة، إيه اللي هيقعدك؟ المول محتاجك والعيال محتاجين قرشك، أنا مش هقدر أشيل شيلة البيت دي لوحدي دلوقت."
نفيسة كانت واقفة، لسه ماسكة "فوطة المطبخ" في إيدها، والكلمة وقعت عليها كأنها جبل هده. كانت فاكرة إنها لما "سندته" عشان يقف، كان عشان يريحها، مش عشان يدوس عليها بجزمته الجديدة.
بصت له نفيسة بذهول، وهي شايفة الراجل اللي "صنعته" بإيدها المتشققة، بيتحول لوحش مش شايف غير نفسه. الحلم اللي رسمته بإنها هتنام ساعة زيادة الصبح، أو إنها هتغسل ريحة الكلور من إيدها، اتبخر في ثانية.
نفيسة سابت اللي في إيدها، ودخلت الأوضة قعدت على طرف السرير، كانت حاسة إن الحيطان بتلف بيها. بصت لإيدها اللي الكلور
الأسابيع مرت، ورأفت بقى "المحاسب رأفت". يصحى الصبح، يلبس قميصه الأبيض المكوي اللي نفيسة كويتهوله وهي عيونها مقفولة من قلة النوم، ويرش من الريحة اللي هي جابتهاله في عيد ميلاده بفلوس "الإضافي"، وينزل من غير ما يقول حتى "صباح الخير".
في ليلة، نفيسة رجعت من المول متأخرة كالعادة، لقت رأفت قاعد مع عياله بيذاكرلهم، بس أول ما شافها، وشّه اتقلب.
رأفت بص لها بقرف وقال قدام العيال:
"خشي اغسلي ريحتك دي يا نفيسة.. ريحة الفينيك والمنظفات قلبت الشقة، العيال مش عارفين يركزوا! وبعدين يا ريت لما ترجعي من المول تخشي من باب المطبخ، مش عاوز حد من الجيران يشوفك بمنظرك ده وأنا بقيت محاسب وليّ وضعي."
نفيسة بصت لعيالها، شافت في عيونهم نظرة غريبة، كأن كلام أبوهم بدأ يسمم أفكارهم، كأنهم بدأوا يتكسفوا من "أمهم" اللي لولاها كان زمانهم بيشحتوا.
نفيسة متمالكتش أعصابها، المرة دي مروحتش تعيط في المطبخ، وقفت قدامه وبصت له في عينه وقالت بصوت هادي ومرعب:
رافت.
: قام وقف ووشه احمر، وبدل ما يتكسف، زعق: "أهو ده اللي بناخده من قعدة النسوان في المولات.. لسان طول! اسمعي يا بت الناس، لو مش عاجبك، الباب يفوت جمل، بس اعرفي إنك من غيري ولا تسوي، والعيال دول هيعيشوا مع المحاسب، مش مع اللي بتكنس في المولات!"
نفيسة حست إن الأرض بتهتز تحتها. "الباب يفوت جمل؟" الكلمة دي لراجل كان بيموت من غيرها! بصت في المراية، شافت واحدة تانية خالص، واحدة اتكسرت بس لسه واقفة.
قفلت باب الأوضة على نفسها، وهي عارفة إنها قدام قرار أصعب من الحادثة نفسها:
يا تكمل خدامة "للمحاسب" وتتحمل ذل نكرانه عشان خاطر عيالها، يا تخرج من "باب المطبخ" بكرامتها وتسيب له البيت اللي بنته بدم قلبها وعرق جبينها.
في اللحظة دي، نفيسة أدركت إن "الواسطة" اللي عملتها لرأفت كانت أكبر غلطة، لأنها بدل ما تشتري بيها راحتها، اشترت بيها "سوط"