حكايات رومانى مكرم
جدى ٢
ناحية الترعة. كنت ضامة ابني لصدري وبقرأ كل آيات القرآن اللي حافظاها، ودموعي نازلة مغرقة وشه الصغير وهو صرخته مش مبطلة.
فجأة، وبدون مقدمات، ظهرت عربية صقر من قدامنا وهي مشغلة النور العالي، ونوال اتفاجئت بيها. حاولت تفادي التصادم، فكسرت الدريكسيون يمين بقوة.. وفي ثانية، طارت عربيتها في الهوا ووقعت وسط الغيطان وانقلبت كذا مرة لحد ما استقرت على سقفها.
العربية بتاعتنا وقفت بفرملة مرعبة، وجدي نزل قبل أي حد، وجرينا كلنا ناحية العربية اللي اتقلبت. نوال كانت محشورة جوه، والدم مغطي وشها، بس كانت لسه واعية وبتبص لنا بنظرات كلها غل وحقد.
جدي وقف قدام العربية وهي متدمرة، وبص لها بأسى وقرف شوفتي يا نوال؟ الطمع نهايته إيه؟ كنتي عايزة تسرقي وتخطفي، والآخر لبستي في الحيط.. وابنك اللي ضيعتي عمرك تلمي له الحرام، أول واحد باعك وهرب.
نوال حاولت تنطق، بس صوتها كان طالع حشرجة مش.. مش هسيبكم..
جدي رد عليها بحسم انطقي يا نوال.. قولي لي حمادة شال الفلوس اللي سحبها النهاردة فين؟ أنا عارف إنك أنتِ اللي مدبرا له المخبأ، انطقي قبل ما تروحي للي خلقك والذنب ده في رقبتك.
نوال ضحكت ضحكة مكسورة وهي بتنزف حمادة.. حمادة زمانه في المطار.. الفلوس معاه.. وهيسافر.. مش هتاخدوا منه مليم.
قلبي وقع في رجلي.. المطار! يعني كل اللي عملناه ده وحمادة
جدي بص لصقر وقال له كلم المطار، وبلغ عن حمادة بلاغ رسمي بسرقة وتزوير، واعرف لي الرحلات اللي طالعة دلوقتي. وبعدين بص لي وقال اركبي يا ليلى.. لسه فيه جولة أخيرة، وحمادة مش هيشم ريحة طيارة طول ما أنا بتنفس.
سبنا نوال للإسعاف والشرطة اللي وصلت، وطار بينا السواق على المطار. جدي كان بيسابق الزمن، وكل دقيقة بتعدي كانت كأنها سنة. وصلنا صالة المغادرة، وجدي نزل بكل هيبته، ودخلنا وسط الناس ندور على الحرامي.
وفجأة، لمحت قفا حمادة وهو واقف في طابور الجوازات، لابس كاب ونظارة شمس، وشايل شنطة هاند باج صغيرة، باين عليها إنها تقيلة باللي فيها.
جدي مشي ناحيته بخطوات واثقة، وقبل ما حمادة يوصل للعسكري، جدي حط إيده على كتفه وضغط عليها بقوة على فين يا عريس؟ ناسي إن فيه ناس لسه ليها حق عندك؟
حمادة اتنفض كأنه لمس سلك كهرباء، وبص وراه برعب.. وشه كان شاحب كأنه ميت. بص لجدي وبص لي وأنا شايلاه ابنه، ولقى نفسه محاصر برجالة جدي وبأمن المطار اللي وصل لهم البلاغ.
الضابط قرب منه أستاذ حمادة؟ مطلوب القبض عليك بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال غيرك.. اتفضل معانا والشنطة دي تتفتح فوراً.
حمادة بدأ يترعش ويقول بصوت واطي والله يا باشا هي اللي ادتني الفلوس، دي مراتي!
جدي شد الشنطة منه وفتحها قدام الناس، وطلعت منها رزم الدولارات
حمادة، بجبنه المعهود، وقع على ركبه وبدأ يبوس إيد جدي هطلقها.. هطلقها وأرجع كل حاجة، بس مشوني من هنا!
جدي طلع ورقة الطلاق اللي كان محضرها، وحمادة وقع وهو إيده بتترعش، والدموع في عينيه مش ندم.. دي كانت دموع الخسارة.
رميت له الدبلة في وشه وقولت له أنت خسارة فيك حتى الكلمة، وابني هكبره بعيد عن ريحتك وريحة أهلك.
اتسحب حمادة بالكلبشات وسط نظرات الاحتقار من كل اللي في المطار، ولفيت لجدي ورميت راسي على كتفه خلصت يا جدي؟
جدي باس راسي وقال خلصت يا قلب جدك.. بس لسه فيه مفاجأة أخيرة في البيت مستنياكي، حاجة مكنتيش تتخيليها أبداً.
رجعنا البيت، وكل ركن فيه كان بيفكرني بالوجع والحرمان اللي عشته وأنا فاكرة إني فقيرة، مكنتش أعرف إن الفقر الحقيقي هو فقر النفس والأخلاق اللي كان حمادة وأمه عايشين فيه.
دخلت شقتي مع جدي، ولقيت المحامي مستنينا ومعاه شنطة كبيرة. جدي شاور لي أقعد وقال بصوت فيه هيبة الحكمة يا بنتي، الفلوس بتروح وتيجي، والكسرة اللي انكسرتيها دي كانت اختبار ليكي عشان تعرفي مين الصادق ومين اللي عينه
فتحت الشنطة، ولقيت فيها عقود لثلاثة محلات تجارية كبار في وسط البلد، ومبلغ مالي ضخم غير اللي حمادة رجعه. بصيت لجدي باستغراب، فكمل كلامه المحلات دي كانت باسمك من يوم فرحك، بس كنت مخبي العقود عند المحامي عشان أشوف حمادة هيصونك ولا هيصون قرشك.. وللأسف، سقط في الاختبار من أول لحظة.
سكت جدي شوية وبص لابني اللي كان نايم بسلام، وكمل
يا ليلى يا بنتي، اتعلمي
إن المال السايب بيعلم السرقة، بس مش بس مال الفلوس.. مال المشاعر كمان. لما تدّي ثقتك لحد، متغميش عينيكي بالكامل، سيبي باب موارب للحقيقة. والحق مبيضعش أبداً طالما وراه حد بيطالب بيه، والظلم مهما طال ليله، لازم شمس العدل تطل وتكشف المستور.
مرت الشهور، وحمادة وأمه نالوا جزاءهم ورا القضبان بتهم التزوير والسرقة والشروع في القتل، وأنا بدأت حياتي من جديد. فتحت مشروع صغير باسم ابني، وبقيت أنا اللي بدير مالي وحياتي بوعي وقوة.
وفي يوم، وأنا واقفة في شرفة بيتي، بصيت للسما وقلت الحمد لله إن الحقيقة ظهرت وأنا لسه في عز شبابي، عشان أربي ابني على إن الرزق الحلال بيبني بيوت، والحرام بيهدم قصور، وإن الكرامة أهم من لقمة العيش المذلولة.
الخلاصة
لا تثق ثقة عمياء فتُصاب بالعمى عن الحقائق، فالأقنعة مهما تجملت لابد أن تسقط، ومعدن الرجال لا يظهر في الرخاء، بل في
تمت.