روايه الدوسري القـديم بقلم منــال عــلي

لمحة نيوز

 بس كريمة شافت في عيون بنتها الرعب.. رعب إن برستيجها يتهد قدام ابنها بقلم منال علي 
لمت كريمة فواتيرها في شنطتها. مكنتش عايزة تفضي البيت والحفيد بيتفرج من فوق، مش عايزة تعمل مشهد تروما للولد. مسكت شنطتها، وبصت لبنتها في عينها وقالت الكلمتين اللي هيقلبوا الدنيا
أنا ماشية دلوقتي، وهبات في لوكاندة. بس اسمعوا الكلمتين دول كويس من الثانية دي، المكنة اللي بتطلع فلوس وقفت.. أنا هاخد كرامتي وفلوسي، وإنتوا اشبعوا ببعض.
خرجت من الباب، وركبت عربيتها ودورتها. بس اللي صافي ومدحت ميعرفوهوش، إن من غير سند كريمة المادي، السبب الحقيقي والغامض ورا نقلة الحما والحماة للبيت كان قنبلة موقوتة، وخلاص قربت تنفجر في وشهم!
برد الفجر كان بيخبط في إزاز العربية وكريمة سايقة في شوارع القاهرة الفاضية، مابتردش على صرخة وجعها غير بصوت الموتور. انتهى بيها الحال في لوكاندة شعبية رخيصة قريبة من الطريق الدائري. الأوضة كانت ريحتها كلور ومندية، والسرير بيزيق مع أقل حركة، بس لأول مرة من سنتين، كان حواليها هدوء يغسل الروح. مفيش حد مستنيها تصحى الساعة 6 الصبح تعمل فطار، ولا حد رامي عليها حمول الدنيا وهمّها وهي المفروض تشيل وتسكت.
تاني يوم الصبح، فتحت موبايلها وبعتت رسالة واحدة على جروب العيلة أنا كويسة.. محدش يدور عليا إلا لما أنا أعوز. وقفلت الجهاز فوراً، وطز في سيل المكالمات اللي مابيقفش.
بعد 48 ساعة، لما فتحت الموبايل تاني، كانت القيامة قامت. أكتر من 80 مكالمة ورسايل تلطم. صافي اتحولت من الجبروت والتعالي للانهيار التام في وقت قياسي. الرسايل كانت بتحكي

قصة خراب مستعجل ماما ردي أرجوكي، الفيزا وقفت ومش عارفين نجيب خزين البيت.. وبعدها بكام ساعة ماما، أنا ومدحت اتخانقنا خناقة شوارع، الميكانيكي رفض يسلم مدحت العربية عشان إنتي ماحولتيش الفلوس اللي وعدتي بيها بقلم منال علي 
وفي الآخر، الرسالة اللي جابت الناهية وبينت الحقيقة المرة ماما.. حمايا وحماتي ماباعوش شقتهم في إسكندرية، دول خسروها في القمار والمراهنات. هما جايين يعيشوا هنا عشان مدحت يصرف عليهم بالكامل، وكانوا ناويين ياخدوا الفلوس اللي إنتي بتدفعيها للبيت يسددوا بيها ديونهم القديمة.. الحقيني يا ماما أنا مرعوبة بقلم منال علي 
قرت كريمة الكلام وهي قاعدة على طرف السرير الناشف في اللوكاندة. خلطة مسمومة من الشفقة وخيبة الأمل عصرت قلبها. صافي مكرشتهاش عشان استقلال عائلي، دي ضحت بأمها عشان تراضي جوزها وتداري على فضيحة وفشل أهله. حطوها كبش فدا لكذبة حقيرة. ودلوقتي لما الضهر المادي اتسحب فجأة، بيتهم الكرتون بدأ يتهد فوق دماغهم.
بعد 5 أيام، وافقت كريمة تقابل بنتها في كافيتريا قديمة في وسط البلد، بعيد تماماً عن منظرة التجمع. لما صافي دخلت من الباب، كريمة مكنتش عارفاها. وشها كان دبلان، وعينيها تحتها سواد، وشعرها منكوش، مفيش أي أثر للست المتكبرة اللي كانت بتدي أوامر في المطبخ بقلم منال علي 
أول ما قعدت، صافي انفجرت في العياط سامحيني يا ماما.. أنا كنت غبية. وكملت وهي بتداري وشها بإيدها مدحت ضحك عليا، قالي أهله محتاجين سند ولولاهم مكنش هو بقى موجود، وهددني بالطلاق لو مابقتش معاهم. مكنتش أعرف إنهم مفلسين وناويين يعيشوا على
قفاكي. لما مشيتي وخطتهم باظت، مدحت قلب عليا وشتمني وهانني وحملني المسؤولية. أرجوكي يا ماما ارجعي البيت، إحنا محتاجينك.. ياسين بيعيط عليكي كل يوم بقلم منال علي 
كريمة بصت لها بسكون غريب. غريزة الأم المصرية اللي بتضحي بعمرها وتستحمل الذل عشان خاطر عيالها كانت بتصرخ جواها قومي خديها في حضنك وادفعي الديون وارجعي ابني البيت. بس كريمة ماتحركتش. فضلت مكانها، إيدها ثابتة على كوباية القهوة. فهمت بوجع إن الحضن دلوقتي معناه إن بنتها مش هتعلم الأدب أبداً.
قالت كريمة بهدوء يخوف يعني جوزك البرنس كان خطته إني أصرف على فشل وصياعة أهله وأنا عندي 62 سنة؟ كنتم هترموني في الشارع زي الكلب وأنا فلوسي هي اللي بتأكلهم الشهد؟ والأنيل من ده كله يا صافي، مش إن مدحت خطط، الأنيل إنك وافقتي تبقي شريكته. قررتي إن أمك قطعة غيار تترمي عشان تحافظي على جوازتك الفاشلة.
صافي قعدت تحلف إنها مكنتش شايفة الحقيقة من خوفها لا تتطلق، وإنها خلاص طردت مدحت وأهله وطلبت الطلاق رسمي ومحتاجة أمها ترجع تسندها بقلم منال علي 
ردت كريمة بحقيقة قطعت كل عذر أنا بحبك يا صافي، وياسين ده حتة من قلبي وفديه بدمي، بس اسمعيني كويس أنا مش راجعة البيت ده تاني.. أبداً.بقلم منال علي 
صافي اتصدمت ليه يا ماما؟ ما أنا طردتهم خلاص وأوضتك موجودة!.
إنتي محتاجاني عشان أدفع الفواتير المتأخرة وأربي الولد ببلاش وإنتي في شغلك.. ردت كريمة بمنتهى الصراحة. أنا هساعدك في حفيدى، هجيبه من المدرسة يومين في الأسبوع، وهقعد معاكي هنا نعمل ميزانية لبيتك عشان تعيشي على قدك من غير فلوس مدحت. بس حياتي
تحت طوعك في البيت ده انتهت. 60 سنة علموني في البلد دي إن الست قيمتها في خدمة جوزها وبعدين بنتها وبعدين أحفادها، وإن الشكوى حرام.. بس لما قلتي لي إنتي مابتفعيش إيجار، عملتي فيا أكبر جميل، فوقتيني!.بقلم منال علي 
صافي سكتت وهي بتمسح دموعها، وبدأت تستوعب حجم غلطتها.
كملت كريمة وهي بتطلع مناديل لبنتها أنا هأجر شقة صغيرة على قدي، هفرشها حتة حتة على ذوقي. ولما تيجي تزوريني هتبقي ضيفتي الغالية، وياسين هينورني. بس ده هيبقى بيتي.. وقوانيني.. وراحتي. لو عايزة تصلحي حياتك، اتعلمي تقفي على رجلك إنتي، مش على ضهري اللي انحنى من الشيل بقلم منال علي 
فات 8 شهور على القاعدة دي. طلاق صافي كان مرمطة في المحاكم، ومدحت وأهله انتهى بيهم الحال في أوضة وصالة في منطقة شعبية والديون محاوطاهم. صافي اضطرت تبيع التلاجة ال سايد باي سايد والشاشة ال 65 بوصة عشان تدفع للمحامين وتسدد أقساط البيت اللي كانت غرقانة فيه.
أما كريمة، نفذت وعدها. عايشة دلوقتي في شقة صغيرة أرضي، منورة وليها جنينة صغيرة مليانة زرع وورد. الفواتير القديمة لسه شايلاها في الدرج، بس مش عشان تحارب بيها، لكن عشان تفكر نفسها إن الاستقلال غالي بقلم منال علي 
ساعات يوم الحد العصر، بتحس بفراغ في معدتها، بس بتقوم تعمل كوباية شاي بالمرمية، وتقعد على كرسيها الهزاز تقرأ كتاب، وتتنفس بجد.. نفس حر.
اتعلمت الدرس الصعب إن الأمومة مش معناها إنك تمسحي شخصيتك، وإن الحدود مابتنقصش من الحب، بالعكس، دي اللي بتعلمهم يحترموا وجودك. واكتشفت إن كرامة الست مالهاش تمن، ومابتكتبيش في وصل إيجار، ولا
يمكن تكون محل تفاوض!

تم نسخ الرابط