روايه طالب جامعي مغترب بقلم مني السيد
"بعد الشر عليكي يا حاجة."
بس هي ما ردتش.
بعد يومين، وأنا في المحاضرة، جالي اتصال من رقم غريب.
كان المستشفى.
الحاجة كريمة ماتت.
ما عرفتش أستوعب.
روحت المستشفى وأنا حاسس إني تايه.
لقيت اتنين ستات ورجل واقفين هناك، أول مرة أشوفهم.
عرفت إنهم قرايب بعيد.
كانوا بيتكلموا عن الشقة، والعفش، والمعاش... ولا كأن في بني آدم مات.
واحدة منهم بصت لي وقالت:
"إنت مين؟"
قلت:
"كنت بساعد الحاجة."
ردت ببرود:
"آه... عامل يعني. خلاص شكرًا."
وإدوني ضهرهم.
رجعت الشقة بعدها بيوم، بس عشان آخد الجاكيت بتاعي اللي كنت سايبه هناك.
أول ما دخلت، حسيت إن المكان فاضي بطريقة توجع.
الكرسي اللي كانت بتقعد عليه، الكوباية الصغيرة، العكاز اللي جنب الباب...
كل حاجة مكانها، بس هي مش موجودة.
افتكرت كلامها.
"الدرج اللي جنب السرير."
فتحت
لقيت ظرف أبيض عليه اسمي بخط إيدها المرتعش:
"إلى ابني عمر"
قلبي دق بسرعة.
فتحت الظرف.
كان جواه جواب طويل... ومفتاح صغير.
قريت أول سطرين، وحسيت إن الأرض بتلف بيا:
"يا عمر... أنا ماكنتش بديك فلوس، لأني ماكنتش بشغلك عندي. أنا كنت باختبر إذا كان لسه في حد في الدنيا بيعمل الخير من غير مقابل."
وقفت مكاني.
كملت وأنا إيدي بتترعش:
"أول يوم دخلت فيه بيتي، كنت فاكرة إنك زي الباقيين. هتاخد اللي إنت عايزه وتمشي. لكنك كنت كل مرة بتجيب لي أكل من فلوسك، وتاخدني للدكتور، وتسمعني وأنا بحكي، من غير ما تتأفف مرة واحدة.
أنا ماعنديش أولاد. ابني الوحيد مات وهو عنده 22 سنة... تقريبًا قدك. ومن يومها وأنا لوحدي.
الشقة دي باسمي، وفي البنك حساب صغير كنت حوشته أنا وجوزي طول عمرنا. وكل حاجة كتبتها باسمك.
مش عشان خدمتني... عشان
ما قدرتش أكمل.
قعدت على الأرض وفضلت أعيط.
المفتاح اللي في الظرف كان لخزنة صغيرة جوه الدولاب.
فتحتها.
لقيت فيها أوراق الشقة، ودفتر توفير، ومبلغ كبير بالنسبة لواحد زيي.
وفي آخر الجواب كانت كاتبة:
"لو خدت حاجة من اللي سيباهالك، أوعى تصرفه كله على نفسك. ساعد حد محتاج... زي ما ساعدتني. عشان الخير ما يموتش."
بعد شهور، كنت واقف قدام نفس باب الشقة.
لكن المرة دي، ماكنتش داخل لوحدي.
كان معايا ثلاثة طلبة مغتربين، كل واحد فيهم كان بيدور على مكان يعيش فيه ورخيص.
حولت الشقة لسكن صغير للطلبة اللي ظروفهم صعبة.
ماخدتش منهم إيجار غير بسيط جدًا، والفلوس الباقية كنت بصرف منها على الأكل والكتب.
وعلقت صورة الحاجة كريمة في الصالة.
وتحتها كتبت:
"الست اللي علمتني إن أوقات،
بعد سنة كاملة، كنت بقيت متخرج، وبشتغل في شركة صغيرة، ولسه الشقة مفتوحة للطلبة.
في يوم خميس بالليل، وأنا راجع، لقيت ولد واقف قدام الباب. كان شكله مرهق، هدومه قديمة، وماسك شنطة صغيرة.
أول ما شافني قال بتردد:
"هو هنا المكان اللي بيستقبل الطلبة اللي مالهمش مكان؟"
بصيت له وسألته:
"اسمك إيه؟"
قال:
"يوسف... وأنا جاي من المنيا."
كان صوته بيرتعش بنفس الطريقة اللي كان صوتي بيرتعش بيها أول ما جيت القاهرة.
دخلته.
قعد في نفس الأوضة اللي كنت بقعد فيها وأنا مغترب.
وبالليل، وأنا بعدي من قدام الصالة، لقيته واقف قدام صورة الحاجة كريمة.
سألني:
"دي مين؟"
ابتسمت لأول مرة من زمان، وقلت:
"دي صاحبة المكان... وهي السبب إنك هنا النهارده."
يوسف سكت شوية، وبعدين قال:
"ربنا يرحمها."
في اللحظة دي،
مش في الصورة.
ولا في الشقة.
لكن في كل باب اتفتح لحد محتاج.
وفي كل مرة حد يقرر يعمل خير... حتى لو محدش شافه.
تمت.