بقلم امانى سيد

تزوجت أعمى

لمحة نيوز


بصيت لأبويا، لقيته موطي راسه في الأرض، ووشه جايب ألوان، مش قادر يبص لي. أمي كانت قاعدة على الكنبة، حاطة إيدها على بوقها وبتبكي بصهقة مكتومة، بس عيونها كانت بتقول كلام كتير أوي.. كلام مكنتش عايزة أسمعه.
فجأة، أمي قامت ووقفت قدامي، وبدأت تصرخ بصوت عالي: "عاجبك كده؟ عاجبك الفضيحة اللي عملتيها لنا؟ مش قولنا لك اقعدي وخدميه وارضي بنصيبك؟ ليه خليتيه يعمل العملية؟ ليه؟ عشان يشوفك ويمشي؟ أهو شافك وطلقك، ورمى عليكي يمين الطلاق في وسط بيتنا!".
أبويا حاول يهديها: "خلاص يا ولية، اللي حصل حصل، مش وقته الكلام ده".
بس هي مكنتش قادرة تسكت، كملت وهي بتشاور عليا بصابعها: "الناس هتقول إيه دلوقتي؟ بنتنا اتطلقت بعد كام يوم من جوازها عشان جوزها شافها ولقاها وحشة؟ دي فضيحة ما بعدها فضيحة! إنتي ضيعتي نفسك وضيعتينا معاكي".
كلام أمي كان أشد قسوة من كلام جوزي. مكنتش متخيلة إن أهلي، اللي المفروض يكونوا سندي، هيلوموني على حاجة ماليش ذنب فيها. حاسة إني وحيدة في الدنيا دي، ماليش حد، لا جوز

ولا أهل.
خدت شطنتي وخرجت من البيت، مش عارفة رايحة فين، بس عارفة إني مش قادرة أقعد في البيت ده ولا دقيقة تانية. كنت محتاجة أبعد عن الكل، عن نظراتهم، عن كلامهم، عن كل حاجة بتفكرني باللي حصل.
قفلت الباب ورايا، وصوته وهو بيترزع كان كأنه بيعلن نهاية فصل أسود في حياتي، وبداية مجهول أنا مرعوبة منه. نزلت السلم وأنا مش شايفة قدامي من كتر الدموع، رجليا كانت بتخبط في بعضها، وحاسة إن الهوا تقيل مش قادرة أتنفسه. كل خطوة كانت بتفكرني بكلام أمي: "فضحتِينا.. ضيعتِينا".
خرجت الشارع. الدنيا كانت ليل، والجو برد بس أنا مكنتش حاسة بيه، النار اللي في قلبي كانت كفيلة تحرق بلد. الشوارع كانت فاضية، مفيش غير صوت جزمَتي وهي بتخبط على الرصيف، وصوت شهقاتي المكتومة اللي مكنتش قادرة أسيطر عليها.
بصيت لشنطتي الهدوم الصغيرة اللي في إيدي.. دي كل ثروتي من جوازة دمرتني. لفيت وشي وبصيت لبيت أهلي للمرة الأخيرة. البيت اللي كبرت فيه، واللي كان المفروض يحميني، هو هو البيت اللي طردني بنظرات اللوم والقسوة.
حسيت بوجع في قلبي ميتوصفش، وجع الخذلان من أقرب الناس.
مشيت ومش عارفة رايحة فين. مكنش قدامي غير بيت واحدة صاحبتي، "منى"، الوحيدة اللي كانت عارفة حكايتي من الأول وكانت ديماً بتشجعني أصبر. وقفت تاكسي وركبت وأنا ميتة من الخوف.. الخوف من بكرة، والخوف من كلام الناس، والخوف من إني أكون فعلاً "وحشة" زي ما قالوا، وإن ماليش مكان في الدنيا دي غير في الضلمة.

وصلت لبيت "منى"، وقفت قدام الباب وأنا بترعش، مش عارفة هقولها إيه ولا هبدأ منين. خبطت خبطات ضعيفة، وكأني مكسوفة حتى من خبطة إيدي. فتحت لي وهي لسه بالبيجامة، وأول ما شافت منظري والشنطة في إيدي، وشها اتقلب وشدتني لجوه بسرعة.
"في إيه يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟ وشك ماله؟ والشنطة دي بتعمل إيه هنا؟"
مقدرتش أنطق، ارتميت في حضنها وانفجرت في العياط. عياط كان مكتوم جوه صدري من ساعة ما شال الشاش. حكيت لها كل حاجة.. حكيت لها عن نظرة "التقييم" اللي في عينيه، عن كلامه السم في بيت أهلي، وعن أمي اللي شافتني "فضيحة" بدل ما تشوفني "بنتها

المكسورة".
منى فضلت تسمعني وهي بتجز على سنانها من الغيظ، وقالت لي بحدة: "وحشة؟ هو اللي عينه كانت عمية، ودلوقتي قلبه هو اللي عمي! إنتي ست الستات يا شيرين، والوسخ ده ميسواش ضفرك.. والزمن دوار يا صاحبتي، والعملية اللي عملها بفلوسك وتعبك وسهرك، بكرة يندم عليها دم بدل الدموع".
مسحت دموعي بإيدي اللي بتترعش وقلت لها بصوت مخنوق: "أنا مش هقدر أرجع البيت ده تاني يا منى.. مش هقدر أبص في وش أمي وهي شايفة إني عالة وفضيحة، ولا هقدر أستنى لما أسمع خبر جوازه من واحدة 'حلوة' زي ما هو عايز".
منى مسكت إيدي وقالت لي بقوة: "ومين قال إنك هترجعي؟ إنتي هتقعدي هنا، وهتتغيري.. مش عشان حد، عشان نفسك. إنتي ممرضة شاطرة وليكي اسمك، وبكرة الدنيا تضحك لك وهو اللي يجي يزحف تحت رجليكي عشان تسامحيه".
في الليلة دي، وأنا نايمة على كنبة في صالة منى، غمضت عيني وقررت إن "شيرين القديمة" ماتت مع رمية الشاش في الزبالة. وقررت إن بكرة لازم يكون بداية لقصة تانية خالص، قصة مفيهاش ضعف ولا كسر.. قصة فيها "رد
اعتبار".

 

تم نسخ الرابط