كامله

انانيه ام

لمحة نيوز

 

وبعد شهور، دخلت عليهم… لقيت البيت هادي، العيال بيلعبوا، وهناء قاعدة بتضحك، وابني واقف في المطبخ بيحضر الأكل. بصيت له، ابتسم لي وقال: "اتعلمت الدرس يا ماما."

وقتها بس… حسيت إني يمكن ما فشلتش أربيه، أنا بس اتأخرت أصححه. أما هناء… فدي بقى الست اللي لما اختارت نفسها مرة… الدنيا كلها اختارتها بعدها.

عدّت الشهور، وكل حاجة كانت باينة إنها اتحسنت… بس الحقيقة إن التغيير الحقيقي لسه ما ظهرش كله، لأن العلاقات مش بتتصلّح في يوم وليلة، خصوصًا لما يكون فيه سنين من الإهمال والتعود الغلط. أنا كنت براقب من بعيد، مش بتدخل زي الأول، بس عيني على كل تفصيلة… على هناء، وعلى ابني، وعلى البيت اللي كان على وشك ينهار ورجع يقف تاني.

في الأول، ابني كان بيحاول… أيوه، بيحاول، بس بطريقة فيها ارتباك. كان بيعمل حاجات بسيطة ويستنى عليها تقدير كبير، زي طفل صغير لسه بيتعلم يعني إيه مسؤولية. يوم يعمل أكل، يوم يذاكر لواحد من العيال، يوم ينضف شوية… وبعدين يتعب ويزهق ويقول: "هو أنا هفضل كده على طول؟!" وده كان طبيعي، لأنه أول مرة يحس بتقل الحياة اللي كان سايبها كلها على كتف هناء.

أما هناء… فكانت ماشية بخطوات

أبطأ، بس أثبت. كانت بتشتغل، تروح وترجع، تهتم بنفسها، وتاخد بالها من عيالها… لكن الفرق الكبير إنها بطلت تجري وتكسر نفسها عشان ترضي حد. بقت بتعمل اللي عليها بس، والباقي؟ لأ، مش شغلها لوحدها.

وفي يوم، حصل أول اختبار حقيقي.

ابني رجع من الشغل متعصب، كان يومه بايظ، دخل البيت لقى العيال مزعجين، والأكل لسه متعملش، وهناء قاعدة بتراجع شغلها على اللاب توب. وقف قدامها وقال بنبرة فيها رجوع لقديمه: "هو أنا هرجع ألاقي نفس القرف ده؟! ما تسيبي اللي في إيدك واعملي الأكل!"

أنا كنت موجودة ساعتها، وسكت… استنيت أشوف.

هناء رفعت عينها من غير خوف، وبهدوء قالت: "الأكل مش هيطير، هخلص اللي في إيدي ونقوم نعمله سوا."
هو اتصدم… لأنه أول مرة يسمع الكلمة دي: "سوا".

قال بعصبية: "أنا تعبان!"
ردت بنفس الهدوء: "وأنا كمان."

الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل… تقيل بس مهم. لأنه كان أول مرة الحقيقة تتحط قدامهم كده من غير تجميل. هو بصلها، وهي بصت له، وفي اللحظة دي… يا إما يرجعوا لورا، يا إما يكملوا لقدام.

عدّت ثواني… وبعدين ساب الشنطة من إيده، وقال بتنهيدة: "طب أعمل إيه؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "ادخل غيّر هدومك،

وتعالى نبدأ."

أنا ساعتها… حسيت بفخر. مش بس بيها، لكن بيه هو كمان، لأنه اختار يكمل.

بس الحياة ما بتسيبش حد في حاله، وبعد كام أسبوع، حصلت أزمة تانية… أزمة أكبر.

الشغل بتاع هناء بدأ يكبر، مديرها اعتمد عليها بشكل أكبر، وبقى في ترقية في الطريق… بس الترقية دي معناها ساعات أطول شوية، ومجهود أكبر. لما قالت لابني، ملامحه اتغيرت.

قال: "يعني إيه؟! يعني هتسيبي البيت أكتر؟!"
قالت: "مش بسيبه… أنا بنظمه."
قال: "وأنا؟!"
بصت له وقالت: "إنت شريكي… مش طفل عندي."

الكلمة دي وجعته… لأنه لأول مرة حد يشيله المسؤولية من غير ما يداري عليه.

ابتدى التوتر يرجع… مش بنفس الشكل القديم، بس كان فيه شد وجذب. هو لسه بيتعلم، وهي لسه بتحاول توازن. وفي نص كل ده… العيال كانوا بيكبروا، وبيشوفوا كل حاجة.

وفي يوم، الكبير فيهم قال جملة قلبت الدنيا كلها: "بابا، هو ليه زمان كنت دايمًا قاعد وماما بتجري؟"

السؤال كان بسيط… بس وقع زي الصاعقة. ابني سكت… ومقدرش يرد. لأنه مفيش إجابة تبرر.

الليلة دي، قعد لوحده كتير… وأنا كنت عارفة إنه بيفكر. لأول مرة يمكن، بيبص لنفسه بجد، من غير ما يهرب.

تاني يوم، عمل حاجة عمري ما توقعتها.

جاب ورد… ودخل على هناء قدام العيال، وقال لها: "أنا آسف… مش على دلوقتي بس، على كل اللي فات. أنا كنت شايف نفسي بس… ومش شايفك."

هناء سكتت… والعيال بصوا بدهشة، وأنا من بعيد حسيت إن اللحظة دي هي الفارقة بجد.

قالت له بهدوء: "الاعتذار مش كلام… الاعتذار أفعال."
هز راسه وقال: "عارف… وعايز أكمّل."

ومن اليوم ده… التغيير بقى أعمق. مش مجرد مساعدات، لكن بقى في فهم. بقى يسأل قبل ما يطلب، يسمع قبل ما يحكم، يشيل قبل ما يشتكي.

وهناء؟ قبلت الترقية.

أيوه… قبلتها، ونجحت فيها كمان. بقت ست ليها اسمها وشغلها وكيانها، وفي نفس الوقت أم وزوجة… بس مش على حساب نفسها.

أما البيت… فبقى بيت بجد. مش ساحة حرب، ولا مكان فيه حد بيضحي وحد بياخد. بقى فيه مشاركة، وضحك، وصوت عيال طبيعي… مش صريخ تعب.

وفي يوم، كنت قاعدة معاها لوحدنا، سألتها: "لو رجع بيكي الزمن، كنتي هتعملي إيه؟"

بصت لي، وابتسمت ابتسامة فيها راحة وقالت:
"كنت هختار نفسي بدري… بس يمكن لو كنت عملت كده، ماكنتش هعرف قيمتها زي دلوقتي."

بصيت لها، وقلت من جوايا: الست دي ما اتغيرتش بس… دي اتولدت من جديد.

أما أنا… فتعلمت درس عمري ما هنساه:
إننا ممكن نربي

أولادنا سنين… بس أحيانًا محتاجين موقف واحد بس، يعلّمهم اللي ما اتعلمش.

تم نسخ الرابط