كامله
انانيه ام
عمري ما هنسى اليوم اللي ابني نطق فيه الكلمتين دول في التليفون، قالي وهو بيضحك ولا كأن فيه حاجة: "يا ماما، البت هناء مراتي عجزت وبقت تخينة أوي!"… في اللحظة دي حسيت إن قلبي وقع مني، مش علشان الكلمتين بس، لكن علشان اللي وراهم… البرود، القسوة، والأنانية اللي عمرها ما كانت بالشكل ده وهو صغير قدامي. سكت… أيوه سكت، بس جوايا كان فيه بركان بيغلي، وقررت إني مش هرد بالكلام، أنا هشوف بعيني.
لبست بسرعة وركبت عربيتي وروحت لهم من غير ميعاد، أول ما الباب اتفتح ودخلت، حسيت إني دخلت عالم تاني… دوشة، صريخ، لعب مرمية في كل حتة، ريحة أكل متسابة على النار، ووسط كل ده… هناء. واقفة في نص المعركة لوحدها، شعرها ملموم بإهمال، هدومها باين عليها التعب قبل ما تبان عليها، وشها شاحب وعينيها غرقانة إرهاق، شايلة طفل على كتفها، وبتحاول تفك خناقة بين اتنين، والتالت بيعيط، والرابع بيشد فيها، والخامس بيصرخ عايز ياكل… خمس عيال حوالين ست واحدة، وجوزها؟
قاعد على الكنبة، رجل على رجل، ماسك الريموت في إيد والموبايل في التانية، ولا كأنه شايف ولا سامع، كأنه قاعد في فندق مش في بيته! بصيت له… بصّة
قربت من هناء بهدوء وقلت لها: "محتاجة مساعدة يا حبيبتي؟" بصت لي كأنها اتفاجئت إن حد شايفها أصلاً، وقالت بصوت مكسور: "لأ يا ماما، أنا كويسة… بس مهدودة شوية." الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة… "مهدودة شوية"! دي الكلمة اللي الست بتقولها وهي خلاص قربت تقع ومفيش حد شايفها.
سألتها: "نمتي إمتى آخر مرة كويس؟" سكتت… وبصت في الأرض… وكأن السؤال نفسه غريب عليها. ساعتها بصيت لابني تاني، يمكن يقوم، يمكن يتحرك، يمكن يحس… لكن لأ، ولا كأنه موجود. في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت ناحيته، وحاجة تانية اتبنت ناحيتها.
مشيت من غير ما أتكلم، بس كنت قررت… قررت إن الموضوع ده مش هيسيبني ساكتة.
بالليل ابني جه عندي، داخل بكل بجاحة وقال: "جيت أرتاح شوية من دوشة العيال." بصيت له وابتسمت… ابتسامة هادية خالص، وهو افتكر إني موافقة، لكنه ما يعرفش إن دي كانت بداية النهاية لراحته هو.
تاني يوم الصبح بدري، كنت على باب هناء، أول ما فتحت قلت لها: "يلا، إنتي جاية معايا." حاولت تعترض، قالت: "والعيال؟" قلت لها بحسم: "اتصرفت، وفي حد
خدتها على الكوافير… في الأول كانت محرجة، مش متعودة حد يهتم بيها، مش متعودة تبص لنفسها أصلاً، ولما شعرها اتظبط ووشها بدأ ينور، بصت في المراية ودموعها نزلت… قالت: "أنا مش عارفة نفسي." قلت لها: "بس أنا عارفاكي… وإنتي ناسية نفسك بس."
بعدها خرجنا، اشترينا هدوم تليق بيها، لبست، ومشيت جنبي بثقة خفيفة بدأت ترجع، خدتها سبا، قعدت لأول مرة من سنين من غير ما حد ينادي عليها، من غير صريخ، من غير طلبات… مجرد هدوء. وفي اللحظة دي، بدأت هناء ترجع… واحدة واحدة.
قعدنا ناكل، بهدوء، لأول مرة، وهي بتبص حواليها كأنها مش مصدقة إن اللحظة دي حقيقية. ساعتها قلت لها: "أنا عندي عرض ليكي… شغل في شركتي، منسقة إدارية، مرتب كويس، مواعيد مناسبة، وفي حضانة للعيال." بصت لي بدهشة، وردت بسرعة: "مقدرش أسيب جوزي والبيت."
ابتسمت بحزن وقلت: "هو سابك؟ ولا إنتي اللي سبتِ نفسك عشانه؟" السؤال خبط فيها، وسكتت… وبعدها انهارت. عيطت عياط سنين، عياط ست شايلة فوق طاقتها ومفيش حد شايفها، عياط حد اتعود يدي بس من غير ما ياخد.
فضلت
رجعنا البيت… وابني كان لسه عندي، سايب بيته ومراته وعياله ورايح يرتاح. قلت له بهدوء: "مراتك مش هترجع النهاردة." اتصدم وقال: "يعني إيه؟!" قلت له: "يعني هناء عندها حياة، وهتبدأ تعيشها."
ضحك بسخرية وقال: "هي هتشتغل؟!" قلت له: "أيوه… وهي كمان هتريح، وهتنام، وهتعيش… وإنت بقى؟ إنت هترجع بيتك، تشوف عيالك، وتعرف يعني إيه مسؤولية."
رجع وهو متضايق، أول يوم اتخنق، تاني يوم تعب، تالت يوم بدأ يحس… العيال محتاجين، البيت محتاج، مفيش حد بيجري يعمل كل حاجة لوحده، مفيش حد شايل عنه. بدأ يتصل بهناء… الأول بعصبية، بعدين برجاء، بعدين بهدوء.
وهناء؟ بدأت شغلها، كانت خايفة، بس كل يوم كانت بتقف على رجليها أكتر، بتضحك أكتر، بتنام أحسن، بقت بترجع البيت وهي عندها طاقة لأولادها، مش ميتة.
بعد أسبوعين، رجعت بيتها… بس مش نفس الست. رجعت بشروط، رجعت قوية، رجعت عارفة قيمتها. وابني؟ اتغير… مش علشان حد ضغط عليه،