بقلم امانى سيد
ضرتى
القهر وشماتة "الضرة" اللي بكرة هتتحول لنار تاكلهم هما الاتنين.
مرت السنين، وعبد الصمد عاش عمره كله تحت طوع "هنية"، قلبه كان راضي بالحب لكن روحه كانت عطشانة لـ "الولد". هنية اللي كانت بتوهمه إن العيب منها مرة ومنه مرات، كانت عارفة السر اللي يكسر الظهر.
بعد عشرين سنة، وهنية على فراش التعب، والوجع نخر في عظمها، بصت لعبد الصمد اللي كبر وشعره غطاه البياض، وكان لسه ماسك إيدها بنفس اللهفة، وقالت بصوت مروخ من التعب والندم:
"سامحني يا عبد الصمد.. أنا ذنب "سمر" كان بيطاردني كل ليلة، الذنب اللي حرمني أغمض عيني وأنا مرتاحة."
عبد الصمد بصلها باستغراب وقال: "سمر؟ إيه اللي فكرك بيها دلوقتي يا هنية؟ دي غارت من سنين ولا حد عرف لها طريق."
ضحكت هنية ضحكة مليانة وجع وقالت:
"سمر مخرجتش فاضية يا عبد الصمد.. سمر كانت حامل في اليوم اللي ضربتها فيه بالقلم، ويوم ما كانت خارجة من الباب، بعتت لي "التحليل" الحقيقي مع واحدة جارتنا، وقالت لي وصلي الأمانة دي لعبد الصمد وقولي له إن ابنه هيتربى بعيد عن ذلّك."
عبد الصمد اتنفض من مكانه، الدنيا لفت بيه، وصوته طلع مخنوق: "بتقولي إيه؟ يعني أنا كان ليا ابن؟ وإنتي.. إنتي خبيتي عليا عشرين سنة؟"
هنية نزلت دمعة حارة وقالت: "كنت خايفة يا عبده.. خايفة
عبد الصمد ساب إيدها، الإيد اللي عاش سنين يطيب خاطرها، وبص لها بقرف لأول مرة في حياته.. حس إن الحب اللي ضيَّع عشانه كرامته ومراته وابنه، كان "سجن" كبير هو اللي اختار يدخله.
خرج من الأوضة وهو بيجري في الشوارع زي المجنون، بيدور على "ياسين"، بيدور على ريحة ابنه في وشوش الناس، وهو بيصرخ جوه قلبه:
"يا ريتني طيبت خاطرها، يا ريتني ما صدقت ضحكة الغدر، يا ريتني عرفت إن اللي بيبني بيته على كسر خاطر "الأم"، بيعيش ويموت مكسور الجناح."
وصل لحي قديم، وشاف شاب واقف قدام محل، شايل "شيلة" تقيلة وعرقه نازل على وشه، بس وشه كان فيه عزة نفس تخلي الحجر يلين. قرب منه عبد الصمد ورجله بتخبط في بعضها، وقال بصوت مرعوش:
"يا ابني.." قصص وروايات أمانى سيد
الشاب لف وشه، وبص لعبد الصمد بنظرة باردة، نظرة مفيهاش أي لهفة، وقال بهدوء يوجع:
"أنا مش ابن حد يا حاج.. أنا ابن "سمر"، والراجل اللي سمر ربته، مبيعرفش "أب" غير اللي بيصون عرضه.
وقف عبد الصمد في نص الشارع، غريب، وحيد، ومكسور.. عرف في اللحظة دي إن "القلم" اللي سمر خدته زمان، هو اللي النهاردة ذبحه وهو حي.
عبد الصمد حاول ينطق، حاول يمد إيده يلمس كتف الشاب اللي قدامه، لكن لسانه كان مربوط.. حس إن كل كلمة حب قالها لـ "هنية" زمان بقت طوق خناق حوالين رقبته. ياسين سابه ودخل المحل ببرود، وكأن "الأب" اللي واقف وراه ده مجرد خيال مآتة ملوش وجود. جروب الكاتبه امانى سيد
رجع عبد الصمد لبيته، بس المرة دي مدخلش أوضة هنية. قعد في الصالة، في نفس المكان اللي سمر انضربت فيه بالقلم. بص للحيطة وكأنه شايف شبحها وهي واقفة بدموعها المحبوسة وشنطتها في إيدها.
دخلت عليه "هنية" بتتسحب، المرض هدّها بس لسه فيها رمق من جبروتها القديم، وقالت بصوت واطي:
"جيت ليه يا عبده؟ مشفتوش؟ ملقيتوش؟"
لف وشي ليها، والمرة دي النظرة كانت مختلفة.. كانت نظرة "قرف" صريحة، نظرة خلت هنية تترعب وترجع لورا. قالها بصوت هادي ومرعب:
"شفته يا هنية.. شفت الرجولة اللي كان نفسي تطلع مني، شفتها في ابن الخدامة اللي كنتِ بتعايريها.. شفت عزة النفس اللي ضيعتها عشان خاطر "الأصل" اللي طلع كله مغشوش."صفحه قصص وروايات أمانى سيد
هنية حاولت تتكلم: "أنا عملت كدة عشان بحبك..
قاطعها بصرخة هزت حيطان البيت:
"حب إيه؟! إنتي كنتِ بتحبي نفسك! إنتي كنتِ عايزة تملكي "عبد الصمد" حتى لو هتدمري حياته. إنتي مسحتِ اسمي من الدنيا يا هنية.. خليتِ ابني يشيل اسم أمه عشان ميتشرفش بيا. إنتي محرمتنيش من العيال، إنتي حرمتيني من نفسي!"
في اللحظة دي، جرس الباب رن.. عبد الصمد فتح الباب بلهفة، كان المحامي بتاع سمر. سلمه ظرف وقال له ببرود:
"المدام سمر بعتت لك الأمانة دي.. بتقولك إنها كانت شايلاها لليوم اللي تعرف فيه الحقيقة."
فتح عبد الصمد الظرف، لقى فيه "القلم" اللي سمر انضربت بيه.. بس المرة دي كان في شكل "فاتورة". فاتورة بكل قرش صرفته على ابنها، بكل ليلة سهرتها وهي بتشتغل عشان متمدش إيدها للي باعها، وفي آخر الورقة كانت كاتبة بخط إيدها:
"يا عبد الصمد، اللي يشتري "الخلف" بالفلوس، ميستحقش ياخده بالحب. ابنك مش ملكك، ابنك ملك اللي ربى وصان.. ياسين النهاردة بقى محامي، وأول قضية هيمسكها هي قضية "رد اعتبار" لأمه، بس مش في المحاكم.. في قلبك اللي هيفضل ينزف لحد ما تقابل رب كريم."
عبد الصمد وقع على الأرض والورقة في إيده، وبدأ يضحك بهستيريا وهو بيبص لهنية اللي كانت بتعيط:
"شوفتي يا ست البيت؟ شوفتي آخرة الظلم؟ أنا متّ يا هنية.. متّ اليوم اللي سمر خرجت فيه من الباب ده، واليوم
النهاية: