امانى سيد
زكريات جوزى
فتحت الموبايل تاني، ودخلت على رسايله مع مامته من سنة فاتوا، لقيت جملة قطعت قلبي: "يا أمي أماني فيها كتير من روح سارة، ساعات بحس إن ربنا بعتهالي عشان يعوضني عن اليوم اللي راحت فيه مني على طريق السخنة.. أنا لما بخرج معاها، ماببقاش شايف غير سارة."
دموعي نزلت من غير صوت.. شعور مهين قوي إنك تكتشفي إنك "سد خانة" لغائب مش هيرجع، إن كل كلمة حب كانت متوجهة لروح تانية، وكل خروجة حلوة كانت مجرد "تمثيلية" لإعادة مشهد قديم.
قمت وقفت قدام المراية، بصيت لملامحي.. هل أنا بجد شبهها؟ ولا هو اللي غسل دماغي لدرجة إني بدأت أصدق كذبته؟
فجأة، سمعت صوته من ورايا، كان صحي وقاعد على السرير، بيبص لي بنظرة كلها ذهول وهو شايف الورقة في إيدي وموبيله المفتوح. الغرفة سادها صمت مخيف، مكنش فيه غير صوت دقات قلبي وصوت "تكة" الساعة..
قطع الصمت ده وهو بيقول بصوت واطي ومكسور:
"كنت خايف من اللحظة دي.. كنت خايف تعرفي إنك الوحيدة اللي قدرت تنسيني لون الأسود اللي لبسته سنين."
رديت عليه وأنا برمي الورقة في وشه، وصوتي طالع من وسط قهري:
"أنا منسيتكش الأسود يا أحمد.. أنا لبسته مكانها وأنا مش دريانة! إنت محبنيش.. إنت حبيت 'الوجع' اللي فيا عشان شبه وجعك."
مسك إيدي وهو بيحاول يبرر، بس أنا كنت خلاص، شفت الحقيقة ..
سحبت إيدي من إيده بالراحة، وقعدت قدامه على السرير. الغضب اللي كان في عيني هدي وحل مكانه نظرة عتاب تقيلة.. "أحمد" كان مخبي وشه بين إيديه،
قلت له بصوت هادي بس فيه حزم:
"يا أحمد، أنا مش زعلانة إنك بتحب أختك ولا زعلانة إنك لسه فاكرها.. دي أختك وحتة منك، ومين فينا ملوش غالي تحت التراب؟ بس الوجع بجد إنك لغيت (أماني).. لغيتني خالص وبقيت بتشوفني مراية للي راح."
رفع راسه، وعينه كانت حمرا ودموعه نازلة:
"والله يا أماني أنا حبيتك، حبيتك بجد.. بس يوم ما شوفتك أول مرة، حسيت إن ربنا باعتلي إشارة إن الدنيا لسه فيها خير. كان فيكي نفس ضحكتها، نفس العند بتاعها، حتى طريقتك وأنتي بتعدلي طرحتك.. غصب عني بقيت بروح للمكان اللي بيريحني، بقيت عايز أعيش معاكي الذكريات اللي مالحقتش أعيشها معاها."
قربت منه وطبطبت على كتفه:
"الذكريات مش بالتبادل يا أحمد. سارة ليها مكانها في قلبك، وليها دعواتنا بالرحمة.. لكن أنا هنا، لحم ودم، ليا كيان وتفاصيل تانية خالص. أنا مابحبش الأخضر، وبحب فيروز بس مش في كل وقت، وعمري ما شربت شاي بالنعناع على النيل.. أنا ليا ذكرياتي الخاصة اللي المفروض نبنيها سوا، مش 'نرمم' بيها ذكريات قديمة."
بص لي كأنه أول مرة يشوفني بجد، كأنه بدأ يفرّق بين ملامحي وملامح سارة اللي محفورة في ذاكرته. مسك إيدي وباسها وقال:
"أنا أسف.. أسف إني ظلمتك معايا في سجن حزني. أنا كنت فاكر إني بكرم ذكراها فيكي، ومخدتش بالي إني بوجعك إنتي."
اليوم ده منمش، فضلنا قاعدين للصبح، بنحكي.. بس المرة دي كنت أنا اللي بحكي وهو اللي بيسمع. حكيت له عن
وتاني يوم، طلبت منه طلب واحد:
"يا أحمد، النهاردة هننزل نروح الجنينة اللي على النيل تاني.. بس المرة دي، إحنا مش رايحين 'نعيد' حاجة. إحنا رايحين نبدأ أول صفحة في كتابنا إحنا.. ومن غير فستان أخضر."
ابتسم بوجع ممزوج براحة، وكأنه حمل تقيل انزاح عن قلبه. عرفت إن الطريق لسه طويل عشان ينسى الصورة اللي رسمها في خياله، بس على الأقل النهاردة.. هو شاف "أماني" لأول مرة.
نزلنا فعلًا، بس المرة دي مكنتش حاسة إني "ضيفة" على حياة حد تاني. كنت حاسة إني بفرض وجودي، بفرض "أماني" بكل تفاصيلها.
لما وصلنا لنفس الكرسي اللي كنا قاعدين عليه، هو سكت شوية، بص للنيل وكأنه بيودع طيف (سارة) اللي كان محبوس في المكان ده. أنا اللي بدأت الكلام المرة دي، قلت له بابتسامة صافية:
"بص يا أحمد.. المكان ده من النهاردة ملوش علاقة بأي حد مشي. المكان ده النهاردة شهد إننا اتكلمنا بصراحة لأول مرة. شفت الراجل اللي بيبيع ورد هناك ده؟ أنا عايزة وردة بلدي حمراء، مش عشان حد جابها لحد قبل كده، بس عشان أنا بحب الورد البلدي جدًا."
قام جاب الوردة وجاء، كان باصص لي بنظرة مختلفة، نظرة فيها "اكتشاف". قعدنا وبدأنا نتكلم في حاجات تخصنا إحنا، عن شغلنا، عن ولادنا، عن أحلامنا اللي لسه محقناش.
فجأة، لقيته طلع موبايله، وفتح الكاميرا وقال لي:
"أماني.. ممكن أبص في الكاميرا وتضحكي؟ عايز صورة ليكي إنتي.
ضحكت من قلبي، ضحكة حقيقية مفيهاش تمثيل. صورني، وبعدين بص في الصورة أوي، وابتسم وقال جملة ريحت قلبي تماماً:
"تعرفي يا أماني؟ إنتي ملامحك أحلى بكتير لما بكون شايفك بجد، مش بفتش فيكي عن حد تاني. أنا كنت عامي نفسي عن جمالك وعن روحك اللي ملهاش زي."
روحنا البيت، ودخلنا أوضتنا. رحت للألبوم القديم، وطلعت صورة (سارة)، وحطيتها في برواز شيك، وحطيتها على المكتب بتاعه. بص لي باستغراب، فقلت له:
"سارة أختك، ومكانها هنا في النور، مش مستخبية في ركن في ذاكرتك بتطلع لي في وقت غلط. حبيها كأخت، ودعيلها، وخلي صورتها قدامك.. بس خلي قلبي أنا هو اللي يسكن فيك."
أحمد دمع، ، وفي اللحظة دي حسيت إن "الحواجز" اللي كانت بيننا دابت. مابقتش خايفة من ذكرى سارة، بالعكس، بقيت حاسة إن وجودها في حياته بقى "ذكرى جميلة" مش "قيد" بيخنق علاقتنا.
مرت الأيام، وبدأ أحمد فعلاً يتغير. بقى يلاحظ تفاصيلي الصغيرة اللي مكنش بيشوفها، بقى يسألني "إنتي بتحبي إيه؟" بدل ما يفترض إني بحب اللي كانت هي بتحبه.
وفي يوم، واحنا قاعدين بنتعشى، لقيته بيقولي:
"على فكرة، أنا بعت الفستان الأخضر ده لجمعية خيرية.. وجبتلك مكانه الفستان اللي كان عاجبك في المحل اللي فاتنا عليه الأسبوع اللي فات.. اللون الموف اللي إنتي قولتِ إنه بيليق على بشرتك."
ابتسمت، وعرفت إننا كسبنا المعركة.. معركة الوجود. وإن أماني مابقتش "دوبليرة"، أماني بقت هي البطلة
تمت.