بقلم امانى سيد

السوق ٢

لمحة نيوز

مجدي وطى راسه في الأرض ومنطقش، الكلمة وجعته أكتر من لسعة الشمس. وداد كملت كلامها وهي بتخبط بصوابعها على الترابيزة: البيت ده من النهاردة ملوش غير كبير واحد، والفلوس اللي كانت بتتبعزق يمين وشمال، ولادي أولى بيها بنكلة. إنت من بكرة هتنزل شغلك، ومن غير نقاش، هتمضي لي على "تنازل" بنصيبك في الشقة قصاد المبالغ اللي سددتها واللي هسددها.. عشان أضمن إن ولادي ليهم سقف يلمهم لو فكرت "تستهبل" تاني.
مجدي بص لها بذهول وقال: تنازل يا وداد؟ للدرجة دي مابقتيش تثقي فيا؟
وداد قامت وقفت وبصت له من فوق لتحت وقالت ببرود: الثقة دي يا حبيبي كانت "توصيلة" في عز الضهر وإنت استخسرتها.. الثقة دي كانت كوباية مية مشبرة وإنت شربتها مع غيري وأنا ريقي ناشف. الثقة ماتت على الرصيف مع "شنط القوطة" اللي سيبتها وراك ومسحت بكرامتي الأرض. يالا.. كُل لقمة البطيخ عشان ريقك ينشف بكرة في المواصلات، والصبح قبل ما تنزل، "الورقة" هتكون قدامك تمضيها وأنت "ممنون" كمان.. عشان ولادك، مش عشان أي حاجة تانية.
سابت الأكل قدامه ودخلت أوضتها، قفلت الباب بالمفتاح وسندت ضهرها عليه. مكنتش فرحانة، كانت حاسة بوجع في قلبها بس حاسة إنها لأول مرة بتحمي نفسها وعيالها من غدر السنين. مجدي فضل قاعد قدام طبق البطيخ، بيبص للفراغ، وعارف إن "وداد" الطيبة اللي كانت بتدلع "سي مجدي" ماتت، وحل مكانها ست تانية خالص..
ست علمتها "الخيانة" إزاي تمد إيدها في جيب الزمن وتطلع حقها وحق ولادها تالت ومتلت.

مجدي قعد طول الليل يفكر في كلمة "التنازل"، وكل ما يجي يعترض، يفتكر شكل وداد وهي مرصوفة على الرصيف، ويفتكر الرسالة التحذيرية اللي جات له من البنك. لقى نفسه محاصر بين نارين: السجن والضياع، أو إنه يمضي ويسلم رقبته لوداد.

​الصبح طلع، وداد كانت صاحية ومحضرة "الورقة" وجنبها علبة بلاستيك فيها ساندوتشات جبنة وبيضة مسلوقة. حطت الورقة قدامه على السفرة وقالت بكلمة واحدة: "امضي".

​مجدي مسك القلم وإيده بترتعش، بص لوداد لقاها واقفة زي الصقر، عينيها مفيش فيها تراجع. مضى مجدي الورقة وهو حاسس إنه بيمضي على نهاية شخصيته القديمة. وداد سحبت الورقة، طبقتها وحطتها في جيبها، ورمت له الـ 20 جنيه وعلبة الساندوتشات.

وداد:

— "يالا يا مجدي عشان متتأخرش على ميكروباصك. والشهر ده، أول ما تقبض، هتجيب لي 'بيان مرتب' مختوم من الشركة، مش عايزة مليم ينقص من اللي بيدخل البيت ده.. إحنا بنبني مستقبل ولادنا اللي أنت كنت بتهده."

​خرج مجدي من الباب، ولأول مرة يحس بتقل "الساندوتشات" في إيده أكتر من تقل الهم. نزل وقف في عز الزحمة يزاحم عشان يركب ميكروباص يوديه شغله، والشمس بدأت تطلع تلسع قفاه، في اللحظة دي افتكر "تكييف العربية" اللي مابقاش من حقه يركبها، وافتكر ضحكة "شيري" اللي قفلت في وشه السكة

لما عرفت إنه فلس.

​وداد قعدت في البلكونة، شربت قهوتها وهي شايفة مجدي من بعيد وهو بيجري ورا الميكروباص والشنطة في إيده بتخبط في جنبه. مكنتش شمتانة، لكن كانت حاسة بـ "النصر". النصر للست اللي اتداس عليها، الست اللي قررت إنها مش هتكون "ضحية" تانية، وإنها هتفضل "الوتد" اللي شايل البيت، بس بشروطها هي.

مرت الشهور، ومجدي حاله اتقلب حال، الـ 20 جنيه اللي كانت وداد بتديهاله بقت هي "البوصلة" اللي ممشية يومه. في البداية كان بيعاني، بس مع الوقت، نظرة الانكسار اللي في عينه اتحولت لنظرة "مسؤولية" كانت غايبة عنه بقالها سنين. مجدي شاف وداد وهي بتكبر في مشروعها، وشاف الولاد وهما فخورين بأمهم، وحس إنه بقى "غريب" ومجرد ضيف شرف في نجاحهم ده، فقرر إنه لازم يثبت لوداد إنه فعلاً اتعلم الأدب، مش بس بالخوف، لكن بالعمل.
مجدي م اكتفاش بشغله في الشركة، وبدأ يدور على شغلانة تانية وتالتة. بقى يخلص دوام الهندسة، ويطلع فوراً على مكتب استشارات هندسية صغير يشتغل فيه "فري لانس" للساعة 9 بالليل، وبعدها مكنش بيروح، كان بيركب عربيته اللي وداد سمحت له يسوقها بس عشان "الشغل"، ويشغلها "تاكسي" أو يوصل طلبات لحد نص الليل.
في يوم، مجدي دخل البيت الساعة 1 بالليل، كان وشه باهت من التعب وهدومه عليها عفرة الشغل، لقى وداد لسه صاحية ومستنياه بصمتها المعتاد. قرب منها وحط "رزمة" فلوس تانية

على التربيزة غير المرتب اللي بيحولهولها كل شهر.
مجدي قال لها وهو بينهج من التعب: الفلوس دي مالهالاش علاقة بمصاريف البيت ولا الأقساط يا وداد.. دي زيادة عشان الولاد يدخلوا النادي اللي كان نفسي فيه، وعشان تجيب لك الطقم اللي شوفتك بتبصي عليه في المحل الأسبوع اللي فات وقولتي غالي.
وداد بصت للفلوس وبصت لوشه المحروق من الشمس، ملامحه اللي كانت دايماً متكبرة بقت ملامح راجل شقيان بجد. مجدي كمل كلامه وقال بصدق: أنا مكنتش بعرف قيمة القرش ولا قيمة وقفتك في الشمس، بس دلوقتي عرفت إن الراجل مش بكلمته ولا بـ "تكييفه"، الراجل بشيلته لبيته بجد. أنا بشتغل تلات شغلانات يا وداد عشان أرجع لك "الثقة" اللي ضيعتها، مش عشان أرجع الفلوس.
وداد سكتت لحظة، وقامت صبت له كوباية مية مشبرة، وقربت منه وناولتها له بإيدها.. الحركة دي كانت بالنسبة لمجدي "صك غفران". شرب مجدي المية وهو حاسس إن نار قلبه بدأت تبرد، ووداد بصت له وقالت بهدوء: كفاية عليك كدة النهاردة يا مجدي.. ادخل ارتاح عشان بكرة يومك طويل، والولاد مستنيينك تفطر معاهم قبل ما تنزل.
مجدي دخل أوضته وهو حاسس لأول مرة إنه "مالك" البيت ده بمجهوده وتعبة، مش بفلوسه وحساباته. أما وداد، فابتسمت ابتسامة خفيفة وهي بتلم الفلوس، كانت عارفة إن مجدي "القديم" مات فعلاً، وإن الراجل اللي نايم جوه ده هو اللي هيقدر يشيل معاها "شيلة العمر"
من غير ما يميل بيها تاني.
تمت

تم نسخ الرابط