حكايات رومانى مكرم
انا اتجوزت
أنا اتجوزت البنت دي من باب الستر، قال جوز بنتي بصوت عالي قدام الكل. العيلة كلها ضحكت... وأنا ساعتها وقفت و...
بعد الضهر، بنتي بصّت لنفسها في المراية مرة كمان.
اليوم اللي فهمت فيه إني خلاص ما ينفعش أسكت، كان يوم حد في ديسمبر، في فيلا كبيرة في التجمع، مليانة ناس فاكرة إن الفلوس يعني أصل وفصل.
جوز بنتي رفع الكاس، وابتسم ابتسامة مستفزة كأنه مالك الدنيا، وقال قدام الكل أنا اتجوزتها من باب الستر. محدش تاني كان هيبص لواحدة زي مجدة.
فيه ناس ضحكت. ناس سقفت.
وبنتي وطّت راسها.
وأنا... بدل ما أزعق، قمت وقفت بابتسامة هادية خلت لون وشوشهم يتسحب.
بس علشان تفهم أنا قلت إيه بعدها، لازم تعرف إحنا وصلنا للنقطة دي إزاي.
علشان مفيش وجع أكبر على أم من إنها تشوف بنتها بتطفي واحدة واحدة... ومتعرفش تنقذها غير لما هي نفسها تقرر تخرج من النار.
اسمي إلهام، عندي 59 سنة، مهندسة معمارية.
بدأت شركتي وأنا عندي عيال صغيرة. اشتغلت سنين من غير راحة، باكل في المكتب وبراجع رسومات لحد الفجر... علشان أديهم حاجة محدش اداهالي استقلال، تعليم، وكرامة.
مجدة كانت بنتي الوحيدة، وأصغر إخواتها.
ما كانتش ملفتة ولا صاخبة... بس كانت أذكى واحدة.
وهي عندها 11 سنة، كانت بتقعد في مكتبي بمسطرة في إيدها وتسألني عن الأعمدة والارتفاعات والإضاءة.
لسه محتفظة بصورتها نضارة كبيرة، وابتسامة أوسع، ونظرة بتقول أنا قد الدنيا.
البنت دي... اختفت من حوالي 3 سنين.
كل حاجة بدأت لما قابلت سيف في فرح في أكتوبر.
ابن عيلة تقيلة، كلام كبير، مظهر شيك، وثقة زيادة عن اللزوم... من النوع اللي عمره ما اتعب علشان يثبت نفسه.
قال لها إنتِ مش زي الباقي... إنتِ فاهمة.
رجعت البيت وعينيها بتلمع يا ماما
حضنتها، بس جوايا كان في إحساس غريب... إحساس الأم اللي جسمها بيفهم قبل عقلها.
في الأول كان سيف مثالي ورد، خروجات، اهتمام.
وبعدين بدأ السم البطيء.
يتأخر في الرد.
يلغي مواعيد.
يحسسها إنها هي الغلطانة.
ما تبقيش حساسة كده يا مجدة أنا بحبك علشان مختلفة.
كلمة مختلفة كانت فخ.
معناها الحقيقي اقبلي الأقل.
شوية بشوية
بطلت تلبس اللي بتحبه علشان مفتوح زيادة.
بعدت عن صحابها علشان تافهين.
بطلت الجيم علشان مش محتاجة تبهر حد.
وبدأ يقلل منها... ومن نفسها.
لما اتقدم لها، كنت حاسة إنها مش جاهزة.
بس كل حاجة كانت ماشية بسرعة.
الفرح كان في فيلا كبيرة بس ما كانش فرحها.
كان فرح عيلة سيف.
هم اللي اختاروا كل حاجة وهي بس بتهز راسها.
صباح الفرح دخلت عليها لقيتها قدام المراية، لابسة الفستان وبتعيط في سكات.
قلت لها لو مش عايزة، نمشي حالاً.
حكايات رومانى مكرم
بصتلي بابتسامة مكسورة لا يا ماما بس بحس إني مش كفاية ليه.
الجملة دي كسرتني.
كان لازم آخدها ونمشي بس قلت دي رهبة فرح.
وغلطت.
بعد الجواز، سيف خلاها تسيب الشغل تركز في البيت.
نقلها شقة فخمة أمه اختارت كل حاجة فيها.
الحاجة الوحيدة اللي مجدة اختارتها كانت زرعة صغيرة جنب الشباك.
مرة سألتها إنتِ اخترتي إيه هنا؟
لمست الزرعة وقالت دي.
بس.
كل حاجة بعدها كانت انهيار بطيء.
سيف ما بيشتغلش بجد.
كلام كتير فعل مفيش.
مجدة؟ كانت بتدوب.
تتأخر، متوترة، تبص في الموبايل طول الوقت ساعات تعيط وهي بتاكل.
قالتلي مرة أنا كل حاجة بعملها غلط يا ماما.
قلت لها لا يا حبيبتي إنتِ بتتكسري.
بس كانت لسه مش شايفة.
حكايات رومانى مكرم
لحد ما جه يوم وطلبت مني حاجة كسرتني
يا ماما ممكن تشغليه عندك؟ أي حاجة
عملت كده علشانها مش علشانه.
اشتغل أسبوعين فشل في كل حاجة.
في الآخر نزلته المخزن.
ومجدة كانت بتسأل بس هو شغال صح؟
آه.
وفي نفس الوقت رجعت تشتغل معايا.
ورجعت تنور واحدة واحدة.
بس سيف؟
فضل زي ما هو بل أسوأ.
مرة قال لها أخيراً بقيتي نافعة في حاجة.
ساعتها فهمت المشكلة مش جهل دي قسوة.
وفي يوم جتلي تبكي أنا عمري ما هبقى كفاية ليه.
قلت لها لأنه مش عايزك تبقي كفاية عايزك تفضلي صغيرة.
حضنتني ووعدت تفكر.
بس رجعت له.
واتعلمت أصعب درس
مفيش حد يتنقذ غير لما هو يقرر.
وجاء يوم العزومة.
قعدونا في آخر الترابيزة كأننا زيادة عدد.
كلامهم كله فلوس ومظاهر ولا حد بص لمجدة.
لما اتفتح موضوع شغل سيف واتقال إن مجدة هي اللي شايلة البيت وشه قلب.
وشرب وقام وقال الجملة
أنا اتجوزتها من باب الستر محدش تاني كان هيحبها.
ضحكوا.
وبنتي كانت بتعيط في سكات.
ساعتها قمت.
بهدوء غريب.
وقلت
يا سيف خلصت؟
سكت.
كلهم بصوا عليا.
علشان لو خلصت تهين بنتي يبقى دوري أتكلم.
وساعتها الهدوء اتحول لعاصفة.
سكتت القاعة تماماً، والمعازيم اللي كانوا بيضحكوا من ثانية واحدة، فجأة بقوا بيبصوا لبعض بتوتر. سيف سحب الكرسي لورا وهو بيترنح شوية، ورسم على وشة ابتسامة صفرا وقال
يا طنط إلهام، إحنا بنهزر، إيه مابتعرفيش تهزري؟
قربت منه خطوة واحدة، وصوتي كان واطي بس مسموع لكل ركن في الفيلا
الهزار ده للي زيك يا سيف.. للي معندوش حاجة حقيقية يفتخر بيها فبيحاول يقلل من اللي أحسن منه علشان يحس إنه بني آدم. بس خليني أصلح لك معلومة الستر دي قدام أهلك وعيلتك الكريمة.
فتحت شنطتي بهدوء وطلعت الموبايل، وفتحت ملف حسابات الشركة اللي سيف كان بيقبض منه صدقة مقنعة على أساس إنه مدير.
الستر
وش سيف بدأ يقلب ألوان، وأبوه قام وقف وهو بيحاول يتدخل
يا مدام إلهام، ميصحش الكلام ده وسط الناس..
بصيت له بحزم
اللي ميصحش يا متر، هو إن ابنك يهين بنتي في بيتك وتحت سقفك وإنتوا بتضحكوا. بنتي اللي مهندسة وشاطرة وشايلة بيت كامل، مش محتاجة حد يسترها.. هي اللي ساترة ابنكم بفشله وقلة حيلته.
لفت لمجدة، كانت لسه قاعدة، بس المرة دي كانت رافعة عينها وبتبصلي.. كان فيها شرارة غضب لأول مرة أشوفها من سنين.
سيف زعق وهو بيحاول يسترد كرامته المزيفة
إنتي فاكرة إنك بفلوسك هتذليني؟ مجدة دي مراتي، وتمشي بكلمتي أنا!
ضحكت بمرارة وقلت له
كلمتك؟ إنت كلمتك مابتسواش تمن الورقة اللي مضيت عليها في المخزن عندي لما استلمت العهدة وضيعتها. وبالمناسبة يا سيف.. بما إنك ساترها أوي كدة، أحب أقولك إن الشقة اللي إنتوا فيها، العقد بتاعها باسمي أنا، والتوكيل اللي كنت عامله لمجدة علشان تدير حساباتها، هي لغته الصبح في الشهر العقاري.
سيف بلم، وبص لمجدة بذهول
إنتي عملتي كدة؟
مجدة قامت وقفت. نفضت فستانها بهدوء، ومسحت دموعها بإيدها، وبصت له نظرة خلت سيف يرجع خطوة لورا. كانت دي أول مرة بنتي تنور بجد وسط الظلمة اللي كان حابسها فيها.
قالت بصوت ثابت فاجئني أنا شخصياً
ماما مقالتش كل حاجة يا سيف. الستر الحقيقي إني كنت ساترة قلة أصلك، وكنت فاكرة إن صبري هيغيرك. بس النهاردة إنت مش بس أهنتني، إنت أهنت
سيف قرب منها وهو بيحاول يمسك دراعها
انتي اتجننتي؟ تعالي