روايه ابني ال عنده ٨سنين
ابني عنده 8 سنين، العيال في المدرسة اتريقوا عليه عشان لابس كوتشي ملزوق ببلاستر.. وفي يوم الصبح، مدير المدرسة كلمني وقالي خبر صدم حياتي كلها.
كنت فاكرة إن موت جوزي هو أصعب حاجة ممكن نمر بيها أنا وابني، مكنتش أعرف إن "جزمة قديمة" هتبقى هي الاختبار اللي هيغير كل حاجة.
أنا "دينا"، أم لبطلي الصغير "زين". من 9 شهور، "ياسين" جوزي وأبو زين اتوفى.. ياسين كان راجل إطفاء بطل. في الليلة دي، دخل وسط النار عشان ينقذ طفلة في سن زين، طلعها فعلاً، بس هو مطلعش.
ومن ساعتها، مابقاش ليا في الدنيا غير زين.
زين استقبل وجع الفراق بطريقة الكبار ميعرفوش يعملوها.. كان ساكت وصامد، وكأنه واخد عهد على نفسه إنه ما ينهارش قدامي. بس كان في حاجة واحدة متبت فيها بإيده وسنانه.
كوتشي كان أبوه جابهوله قبل الحا..دثة بأسبوعين. كان آخر حاجة بتربطه ببابا، وزين كان بيلبسه كل يوم.. مطرة، طين، شمس.. الكوتشي ده مكنش بيفارق رجله، كأنه حتة منه.
من أسبوعين، الكوتشي "جاب آخره".. النعل اتفصل تماماً. قلت لزين هجيبلك غيره، رغم إني مكنتش عارفة إزاي، لأني لسه مكسورة وسايبة شغلي في المطعم عشان صاحب الشغل قالي وشك "حزين زيادة" وبيسد نفس الزبائن! مكنتش قادرة أجادل، والفلوس كانت قليلة جداً.
بس زين هز راسه وقالي: "مش هلبس حاجة تانية يا ماما.. ده من بابا."
وراح مطلع بكرة "بلاستر عريض" (سوليتيب) وكأن ده الحل البديل الطبيعي في العالم. قالي: "عادي، هنصلحه."
وفعلاً، لزقتهوله على قد ما قدرت، وحاولت أرسم عليه بالقلم عشان ميبانش
كنت غلطانة.
بعد الظهر، زين رجع البيت ساكت أكتر من العادي. دخل أوضته من غير ولا كلمة. سبته شوية قولت يمكن محتاج يقعد مع نفسه.. لحد ما سمعت الصوت ده.
صوت الشهقة والعيطة المكتومة اللي مفيش أم تقدر تنساها.
دخلت عليه بسرعة لقيته مكفي على السرير، وحاضن الكوتشي ده في حضنه كأنه بيحمي روحه.
قلتله: "مالك يا حبيبي؟ اتكلم معايا."
مردش في الأول.. وبعدين الكلام طلع منه متقطع وسط دموعه: "العيال ضحكوا عليا في المدرسة.. قعدوا يشاوروا على الجزمة ويقولوا كلام وحش عننا.. قالوا دي "زبالة" وإننا مكاننا في "صفيحة الزبالة"."
خدته في حضني وفضلت أطبطب عليه لحد ما نِفسه هدي، ودموعه نشفت، ونام من كتر التعب. فضلت قاعدة جنبه باصة للكوتشي الملزوق ده وقلبي بيتقطع حتت.
تاني يوم الصبح، كنت متوقعة إنه هيرفض يروح المدرسة أو هيوافق يغير الجزمة.
بس لاء..
قام لبس، ومسك نفس الكوتشي، وقعد يلبسه.
نزلت لمستواه وقلتله: "يا زين.. مش لازم تلبس ده النهاردة يا حبيبي."
بص لي "زين" بعيون كأنها عيون راجل عجوز شاف الدنيا كلها، وقال لي بكلمة واحدة هزت كياني: "يا ماما، بابا كان بيلبس اللبس المقطع والقديم وهو بيطفي النار عشان ينقذ الناس، ومكنش بيتكسف.. أنا مش هتكسف من حاجة جابها لي بطل."
نزل الكلمة دي على قلبي زي الماية الساقعة، سكت ومقدرتش أرد. مشي زين على مدرسته وهو ساند ضهره، وأنا فضلت واقفة مكانه
### المكالمة الصاعقة
الساعة 10 الصبح، موبايلي رن. لقيت رقم المدرسة. قلبي قبضني وقلت "خلاص، العيال ضربوه أو قطعوا له الكوتشي خالص". ردت وسألت بلهفة: "أيوة يا أستاذ مدحت.. زين جرى له حاجة؟"
المدير صوته كان غريب، فيه رعشة مش مفهومة، قال لي: "مدام دينا.. لازم تيجي المدرسة حالا.. دلوقتي حالا!"
قلت له بفزع: "يا فندم طمني، ابني فيه إيه؟"
رد وقال: "مش هقدر أشرح في التليفون.. بس لازم تيجي وتشوف اللي بيحصل ده بعينك!"
### مشهد يهز الجبال
وصلت المدرسة وأنا بجر رجلي بالعافية، دخلت من الباب الرئيسي لقيت هدوء غريب في الطرقات. المدير كان مستنيني، مكلمنيش، أخدني من إيدي وطلعنا لساحة الطابور.
وقفت مكاني مذهولة.. دموعي نزلت من غير ما أحس.
لقيت "زين" واقف في نص الساحة، وحواليه "فريق الإطفاء" بالكامل.. زمايل أبوه الله يرحمه! كانوا لابسين لبس الشغل الرسمي، ومعاهم عربية الإطفاء الكبيرة بداخل المدرسة.
قائد الفريق، "عم حسن" صاحب ياسين الروح بالروح، كان موطي على ركبته قدام زين، وماسك في إيده "شنطة هدايا" فخمة جداً. التفت ليا لما شافني وقال بصوت جهوري سمعه كل العيال اللي واقفين في الشبابيك بيتفرجوا:
* "يا مدام دينا، إحنا عرفنا اللي حصل إمبارح. وعرفنا إن فيه ناس فاكرة إن القيمة في الهدوم والماركات.. إحنا جينا النهاردة عشان نقول لزين قدام المدرسة كلها إن أبوه كان أعظم بطل شوفناه، وإن الكوتشي اللي هو لابسه ده بالنسبة لنا 'وسام شرف' لأنه من ريحة راجل ضحى
### درس في الإنسانية
عم حسن طلع من الشنطة "كوتشي" جديد تماماً، بس مش أي كوتشي.. ده كان متصمم مخصوص، وعليه صورة "ياسين" وهو لابس لبس الإطفاء، ومكتوب عليه من الجنب "ابن البطل".
مش بس كده، القائد طلب من المدير يجمع العيال اللي اتريقوا على زين. العيال جم وهما خايفين وواقفين ورا أهاليهم اللي المدرسة استدعتهم فوراً. القائد بص لهم وقال:
* "يا ولاد، الجزمة اللي كنتم بتضحكوا عليها دي، صاحبها دفع تمنها 'حياة'.. ياسين أبو زين مات وهو بينقذ ناس متعرفهمش. ياريت تتعلموا إن الراجل مش بماركة جزمته، الراجل بفعله."
### المفاجأة اللي غيرت حياتي
المدير أخدني على جنبه وقال لي خبر صدم حياتي فعلاً: "مدام دينا، زمايل ياسين والحي قرروا يخصصوا معاش استثنائي لزين كـ 'ابن بطل'، وقرروا يتكفلوا بمصاريف مدرسته لحد ما يتخرج. ومش بس كده.. صاحب المطعم اللي مشاكي، لما عرف القصة من السوشيال ميديا بعد ما حد من المدرسين صور اللي حصل، جه هنا وعاوز يعتذر لك ويقدم لك وظيفة 'مديرة فرع' براتب محترم تقديراً ليكي."
بصيت لزين، لقيته لابس الكوتشي الجديد، بس ماسك الكوتشي القديم الملزوق ببلاستر في إيده وضاممه لصدره. جرى عليا وحضنني وقال: "شوفتي يا ماما؟ بابا لسه بيجبلي هدايا ولسه بيحميني حتى وهو في السما."
في اليوم ده، زين مخرجش من المدرسة وهو معاه "جزمة جديدة" بس، ده خرج وهو معاه "كرامة" رجعت له قدام الكل، وأنا خرجت وأنا عارفة إن حق الأبطال مبيضيعش، وإن "البلاستر" اللي لزقت بيه جزمة ابني، كان
**تمت.**