بقلم امانى سيد
ام عيالى ٣
راح حسن لبيت إلهام، مش واقف بعيد في العربية المرة دي، لا.. ده طلع وخبط على الباب بكل قوته، كأنه بيخبط على باب الجنة اللي طُرد منها.
فتحت إلهام، كانت لابسة عباية بيتي بسيطة ولمة شعرها، وبصت له بجمود مريب.
— "خير يا حسن؟ العيال لسه نايمين."
— "أنا طلقت نسمة يا إلهام.. طلقتها ورجعتلك. رجعت لبيتي ولحياتي وللست الوحيدة اللي ملأت عيني وقلبي."
إلهام مسكت طرف الباب، وظهرت على وشها ابتسامة باردة، ابتسامة "النصر الموجوع".
— "مبروك يا حسن.. بس رجعت لمين؟"
— "رجعتلك أنتِ يا أم ولادي.. أنا عرفت قيمتك، عرفت إن مفيش حد يقدر يسد مكانك، أنا مستعد أبوس رجلك بس ترجعي لي ونلم شمل البيت ده تاني."
إلهام خدت نفس عميق، وبصت في عينيه بقوة خلت حسن يحس بصغره:
— "أنت فاكرني كنت قاعدة على الرف مستنية (جنابك) لما تخلص نزوتك وترجع؟ أنت فاكر إن الست زي العفش، تخزنها ولما تشتاق لها تطلعها وتنفض عنها التراب؟"
صوتها علي وبدأ فيه نبرة غضب مكتوم من سنين:
— "يوم ما جيت قولت لي (أنا هتجوز واحدة تانية عشان أعيش حياتي)، أنت قتلتني يا حسن. قتلت الأم والزوجة والحبيبة
قرب حسن خطوة ودموعه نزلت:
— "أنا غلطت يا إلهام.. سامحيني."
— "المسامحة دي عند ربنا يا حسن، لكن الرجوع مستحيل. قلبي ده بقى (حديد)، مابقاش فيه مكان ليك ولا لغيرك. أنا دلوقتي ست حرة، قمت من ركامي وبنيت حياتي من غيرك، وعرفت إن الوجع بيعلم القسوة.. وأنا قسيت عليك زي ما أنت قسيت عليا بالظبط."
حاول يمسك إيدها، بس هي سحبتها بسرعة وكأنها لمست نار:
— "ماتلمسنيش.. اللي كان بيربطني بيك اقطع يوم ما فكرت تتبدل بيا. العيال هتشوفهم في مواعيدهم، والفلوس هتبعتها في مواعيدها.. غير كدة، أنت بالنسبة لي (أبو ولادي) وبس. صفحة واتقفلت واتحرقت كمان."
رزعت الباب في وش حسن.. رزعة هزت العمارة كلها.
وقف حسن قدام الباب المقفول، وحيد، مكسور، ومنبوذ.
أدرك في اللحظة دي إن "الفرص" مابتجيش مرتين، وإن في جروح مهما حاول الزمن يداويها، بتسيب "ندبة" بتخلي الرجوع مستحيل.
نزل حسن من عمارة إلهام والرزعة بتاعة الباب لسه بتسمع في
طلع الموبايل بآلية، صوابعه كانت بتترعش وهو بيقلب في الأسماء.. ملقاش حد يكلمه. نسمة بلوك، إلهام بلوك، حتى أصحابه اللي شجعوه في الأول على "الجوازة التانية" وسهروا في فرحه، مابقوش موجودين جنبه في "عزاه" لنفسه.
ركب عربيتة وفضل باصص لبيته القديم.. شباك أوضة العيال منور، سمع ضحكة "ياسين" العالية وهي طالعة من الشباك، الضحكة دي اللي كانت زمان بتهون عليه تعب اليوم، دلوقتي بقت بتكويه.. لأنه مابقاش جزء منها. هو بقى "ضيف" بييجي بساعات محددة ويمشي.
فتح "التابلوه" بتاع العربية، لقى صورة قديمة له مع إلهام والعيال في المصيف، كانت إلهام ساندة راسها على كتفه وبتضحك بصفاء.. بص للصورة ودموعه نزلت على القزاز بتاعها. مسحها بلياقة كأنه بيعتذر لها، بس الاعتذار جه متأخر أوي.
دور العربية واتحرك.. وصل قدام شقته الجديدة، "شقة نسمة". طلع المفتاح، دخل المكان اللي لسه ريحته "عفش جديد" وجدرانه باردة. الشقة كانت فاضية
قعد على الكنبة في الصالة، وبص حواليه..
— "أنا خسران.. خسران كل حاجة."
قالها بصوت مسموع، والصدى رد عليه في الشقة الفاضية.
خسر إلهام.. السند والظهر والعشرة اللي مابتتكررش، الست اللي كانت شايلة عيوبه قبل مميزاته.
خسر نسمة.. اللي ظلمها وكسر فرحتها وهي لسه في أول طريقها، وذنبها هيفضل مطارده.
خسر العيال.. اللي صورته قدامهم اتهزت، وبقوا بيشوفوا في عينيه "الراجل اللي ساب مامتهم".
والأهم من ده كله.. خسر نفسه.
قام وقف قدام المراية، بص لوشه اللي بان عليه العجز والكسرة في شهور قليلة. ملقاش "حسن" الشاب اللي كان فاكر إنه هيرجع يعيش مراهقته تاني، لقى راجل "وحيد" ملوش عنوان ولا سكن حقيقي.
دخل الأوضة، رمى نفسه على السرير الجديد اللي ملوش طعم، وغمض عينيه.. بس المرة دي مكنش بيتخيل إلهام جنبه، كان بيشوف "الباب المقفول" ونظرة القسوة في عينيها.
في الغرفة الباردة دي، أدرك حسن إن "البيوت" مابتتبنيش بالحيطان ولا بالعفش الغالي، البيوت بتتبني بـ "الأمان" اللي لو ضاع مرة.. مستحيل يرجع تاني مهما عملت المستحيل
مقتبسه