بقلمى امانى سيد
ام عيالي ٢
نزل حسن من البيت والدنيا بتلف بيه.. الشارع كان فاضي وهادي، عكس العاصفة اللي جوا صدره. بص لمفاتيح الشقة الجديدة في إيده، حس إنها حتة حديد مالهاش قيمة، كأنها مفتاح لزنزانة هو اللي بنى حيطانها بقراراته المتسرعة.
ركب العربية وفضل باصص لبيت "إلهام".. النور في صالتها اتطفى، والستارة اتقفلت. إلهام قفلت الباب مش بس في وشه، دي قفلته على ذكريات عشر سنين كانت فاكرة إنها "أمان"، لحد ما هو قرر يكسر الأمان ده بكلمة "أنا هتجوز".
فتح الموبايل وقرأ رسالة "نسمة" تاني.. (لما تعرف أنت عاوز إيه من الدنيا ابقى كلمني).
ضحك بمرارة وهو بيكلم نفسه:
— "أنا عارف أنا عاوز إيه يا نسمة.. أنا عاوز اللي ضيعته، عاوز الوقت يرجع لورا، عاوز ليلة واحدة أنام فيها وأنا مش حاسس إني خاين لنفسي وللي عاشرتهم."
دوار محرك العربية، وفضل يلف في شوارع القاهرة اللي مابتنامش. عدى من قدام أماكن كان بيروحها مع إلهام والعيال، "محل الآيس كريم" اللي ياسين بيحبه، "الممشى" اللي كانوا بيتمشوا فيه وهما بيخططوا لمستقبلهم.. كل ركن كان بيصرخ في وشه بكلمة واحدة: "خسران".
الصبح بدأ يشقشق، والنور بدأ يبان، بس حسن كان حاسس إنه غرقان في ضلمة مالهاش آخر. وصل قدام بيت حماته (بيت أهل نسمة)، وقف بالعربية بعيد، وشاف والد نسمة وهو نازل يجيب عيش الصبح.. راجل طيب، كان فرحان وهو بيجوز بنته لراجل "ناضج" ومسؤول.
طلع الموبايل وكتب
(أنا آسف يا نسمة.. ظلمتك معايا، وظلمت نفسي، وظلمت الست اللي شالتني سنين. أنا مكنتش محتاج جوازة جديدة، أنا كنت محتاج أتصالح مع اللي فات).
مسح الرسالة، وداس بنزين وطلع على "طريق السويس".. كان محتاج يمشي، يهرب من كل الوجوه اللي بتعاتبه. وفي لحظة صمت مع نفسه، وسط الطريق السريع، قرر قرار أخير:
— "مش هينفع أرجع لإلهام وأنا مكسور كدة، ومش هينفع أظلم نسمة أكتر من كدة.. أنا لازم أقف لوحدي الأول، أتعلم إزاي أعيش مع غلطتي من غير ما أهدم حياة حد تاني فوق راسي."
وقف العربية على جنب الطريق، ونزل منها، وبص للسما اللي بدأت تفتح.. لأول مرة من 3 شهور، حس إنه "صادق" مع نفسه. الحقيقة مرة، والندم بيقطع، بس المواجهة هي أول خطوة في طريق طويل عشان يرجع "حسن" اللي العيال وإلهام كانوا بيحبوه
حسن مطلعش من العربية، فضل قاعد مكانه والطريق السريع جنبه كأنه شريط سينما بيعرض كل لقطة غبية عملها. فجأة، موبايله رن.. كانت "إلهام".
قلبه اتنفض، رد بسرعة وصوته بيترعش:
— "أيوة يا إلهام.. أنا لسه..."
قطعت كلامه بصوت حاد بس فيه نبرة وجع مكتوم:
— "اسمع يا حسن.. أنا مكلمتش نسمة ولا هقول لها إنك جيت لي، مش عشانك، عشان مش عاوزه أخرب بيت حد حتى لو البيت ده اتبنى على أنقاض بيتي.. بس اللي حصل امبارح ده ميتكررش. ياسين من ساعة ما شالك وهو عمال يسأل (هو بابا مشي ليه يا ماما؟ هو بابا
سكتت لحظة، وسمع صوت نهجتها وهي بتحاول تتماسك:
— "أنت كسرتني مرة يا حسن يوم ما قولت لي إنك زهقت من الروتين وعاوز (تجدد شبابك)، متجيش دلوقتي تكسر العيال بضعفك.. روح صلح اللي بوظته مع البنت الغلبانة اللي معاك، ولو مش قادر، يبقى خليك راجل وانهي الموضوع بشياكة، بس ابعد عن بابي.. بابي اتقفل يوم ما أنت خرجت منه بكام شنطة هدوم وفرحة في عينك مكنتش شايف فيها غير نفسك."
قفلت السكة. حسن رمى الموبايل على الكرسي اللي جنبه وضغط على الدريكسيون بقوة لحد ما مفاصل إيده ابيضت. جملة "أنا مش استبن" و "متكسرش العيال بضعفك" كانت بتلف في دماغه زي الساقية.
دور العربية ورجع على بيت أهل نسمة. وقف تحت البيت وطلبها، نزلت له بعد ربع ساعة، عينيها كانت منفخة من العياط، وشها اللي كان "هادي وجميل" بقى باهت ومكسور. ركبت جنبه وسكتت.
حسن بص لها وقال بصدق لأول مرة:
— "نسمة.. أنا كنت فاكر إني ببدأ صفحة جديدة، بس اكتشفت إني كنت بحاول أمسح كتاب كامل مبيتمسحش. أنا ظلمتك، وظلمت نفسي.. أنتِ تستاهلي حد يكون (كلك) مش حد بياخدك عشان ينسى بيكي حد تاني."
نسمة بصت له بكسرة وقالت:
— "يعني إيه يا حسن؟ عاوز تطلقني؟"
حسن سكت لثواني كانت أطول من السنين، وبص في عينيها وقال:
— "مش هطلقك دلوقتي يا نسمة.. مش هرميكي لشماتة الناس بعد 3 شهور. بس أنا محتاج أبعد.. محتاج أروح أعيش في شقة تانية لوحدي، أواجه
نسمة نزلت من العربية وهي بتعيط، بس المرة دي كانت دموع "راحة". حسن سابها وطلع على شقة تانية قديمة كان مأجرها للمكتب، قعد فيها وسط الضلمة، وبدأ يكتب جواب لـ "إلهام".. مش عشان يرجع لها، بس عشان يعتذر لها عن كل لحظة استهان فيها بـ "عشرة العمر".
مرت الشهور الأربعة وكأنها سنين عجاف على قلب حسن. كان قاعد في شقته "المكتب" لوحده، بيصحى على صوت صمت الحيطان وينام على صدى ضحكات عياله اللي مابقتش تملا البيت غير في "الويك إند" وبإذن من المحكمة أو بجميلة من إلهام.
حاول يرجع لنسمة، حاول يفتح قلبه لها مرة واتنين، بس كان كل ما يلمس إيدها يحس ببرودة غريبة، كان بيشوف في عينيها "الضحية" اللي هو دبحها ببروده. وفي ليلة، قعد قدامها وقال الكلمة اللي كانت محبوسة في زوره من أول يوم:
— "نسمة.. أنا مش عاوز أظلمك أكتر من كدة. إحنا لازم نطلق."
نسمة مابكتش، بالعكس، سحبت نفسها بهدوء وقالت له:
— "كنت مستنية الكلمة دي من زمان يا حسن.. شكراً إنك ريحتني من سجن الحيرة ده."
طلقها بعد 4 شهور جواز، وخرج من ورقة الطلاق وهو حاسس إنه "خف" من حمل تقيل، وإنه أخيراً بقى حر