روايه خالتك جاية بقلم مني السيد
«يا ابني، خالتك جاية النهاردة هي وعيالها وعيال عيالها، يعني انسى موضوع المصيف ده خالص!»..
هكذا أعلنتها الأم بكل بساطة وهي تقف في وسط الصالة.
«يا دي المصيبة! مش قلتلك من بدري؟»..
كانت "دنيا" تحدف هدوم الصيف في الشنطة بعنف كأنها بتنتقم من الهدوم نفسها ومن الدنيا كلها...
«قلتلك نحجز من بدري ونمشي! وأنت تقول: ’هتلحق يا دنيا، ما تقلقيش، مفيش حاجة هتحصل!‘»
بقلم منــي الـسـيد
"سمير" كان واقف في البلكونة بيدخن في صمت، وعينه على عمارات الحي الكئيبة. بقالهم ست شهور بيخططوا للأجازة دي. مرسى مطروح، والبحر، والهدوء.. وفجأة، وبدل البحر، لقى نفسه في مواجهة "القبيلة".
«يا ابني، خالتك نادية واصلة النهاردة باللي معاها، شيل بقى البحر من دماغك!».. الأم، "الحاجة فايزة"، دخلت الشقة وأعلنت الخبر من على العتبة، حتى من غير سلام.
"الحاجة فايزة" كالعادة بتظهر فجأة وبقرارات قاطعة. الشنط في إيدها، وعلى وشها التعبير اللي "دنيا" بتسميه في سرها: «أنا قررت وانتو تنفذوا»...
«يا ماما، إيه اللي بتعمليه ده؟».. سمير طفى السيجارة في سور البلكونة بنرفزة مكتومة. «إحنا خلاص قطعنا التذاكر، وحجزنا الفندق ودفعنا مقدم..»
«أعمل إيه يعني؟ خالتك نادية جاية هي وأحفادها، وماعندهمش مكان يروحوه. دول دمنا يا ابني! وبعدين البحر..» وشوحت بإيدها «البحر مش هيطير، موجود طول السنة.»
"دنيا" حست بوجع في قلبها. بقالها حداشر شهر بتحوش من مرتبها قرش على قرش. حارمة نفسها من لبس جديد، ومن خروجات مع صحابها، كله عشان الأسبوعين دول.
«يا حاجة فايزة،» صوت
«يا بنتي وسعي صدرك! بحر إيه واللمة الحلوة دي موجودة!».. وبدأت الحماة ترص الطلبات اللي جيباها على ترابيزة المطبخ. «الأهل لازم يتشالوا فوق الراس...»
«فوق الراس؟».. دنيا خرجت من الأوضة وهي ماسكة المايوه في إيدها. «ومش المفروض اللي "فوق الراس" دول يستأذنوا قبل ما يهجموا على بيت حد؟»
الحاجة فايزة اتعدلت، وعينها لمعت بنظرة تخوف:
«انتي نسيتي يا حبيبتي ده بيت مين؟ ولا نسيتي سمير يبقى ابن مين؟»
«يا ماما خلاص!».. سمير دخل من البلكونة، بس صوته ماكنش فيه الحزم اللي دنيا كانت مستنياه.
وبعدها، كل حاجة مشيت كأنها كابوس...
بعد اللحظة دي، الدنيا وقفت على طرف الصالة، عينها على الشنط اللي مبعثرة في كل حتة، وسمير واقف على البلكونة يحاول يلاقي مكان يختفي فيه من التوتر. الجو كله كان مشحون بالغضب والخيبة، وكل نفس بيطلع كان تقيل على القلب.
«طب هو إحنا هنعمل إيه دلوقتي؟» سأل سمير، وهو يحاول يلاقي حل وسط، لكن صوته كان ضعيف وسط صراخ الحاجة فايزة: «هنتصرف! أنا هرتب اللي معايا، وانتو هتتبعوا الخطوات!»
بدأت الدنيا تتحرك بعقلانية. رتبت شنطها بعناية، جابت المايوهات، الكماليات، وكل تفاصيل الرحلة اللي كانت مجهزاها قبل كده. كل خطوة كانت محسوبة بعناية، كأنها بتحاول تتحكم في فوضى المكان.
سمير شافها وقال لنفسه: «فعلاً، هي دماغها عالٍ.» لكن الحاجة فايزة كانت شايفة كل حاجة، وعينيها فيها الحزم المعتاد: «ده بيت مين؟ ولا نسيتوا
وصلت خالتو نادية باللي معاها، ومعاها الأولاد. الدنيا حسّت إن الرحلة اللي كانت متوقعة تكون هدوء وراحة، تحولت لكابوس. الأطفال ركضوا هنا وهناك، ضحكهم عالي، وصوتهم مملوء بالفرحة البريئة اللي، رغم جمالها، ضاعف شعور دنيا بالغضب والإحباط.
«أيوه يا دنيا.. هتتعلمي تتحركي وسط الفوضى دي!» قالت في نفسها، وقررت تتحكم في الموقف بهدوء. ركّزت على تجهيز كل شيء، من الأكل للشاطئ، وكل أدوات الأطفال. سمير حاول يساعدها، لكن هو كمان كان محتاج يعرف إن كل خطوة ماشية صح.
وفي اللحظة اللي كانوا فيها على استعداد للخروج، وقع أحد الأطفال شنطة الكاميرا، وكسرت. الدنيا ركضت بسرعة، مسكت القطع واعتنت بالطفل قبل أي شيء آخر. سمير اتفرج عليها بإعجاب، وقال في نفسه: «دي فعلاً أذكى واحدة في البيت كله».
ركبوا العربية، والجو كله مليان ضحك من الأطفال وموج البحر في الأفق. دنيا وسمير اكتشفوا إن حتى وسط الفوضى، ممكن تخلق ذكريات جديدة. كانت الدنيا بتحاول تخفي تعبها ووجعها، لكنها كانت سعيدة بالتحكم في الموقف وبقدرتها على التفاعل مع كل اللي حواليها.
وصلوا الفندق، وكل شيء بدأ يتضح. الدنيا رتبت الغرف، والأولاد بدأوا يلعبوا على الشاطئ. سمير لاحظ إنها بتضحك لأول مرة بعد أسبوع كامل من التوتر.
في اليوم الثاني، قررت الدنيا تاخد الأطفال في جولة صغيرة على الكورنيش. لعبوا في الرمال، صنعوا قلاع صغيرة، وسمير جلس على الكراسي يشرب الشاي الصبح ويشوف البحر. فجأة، الدنيا جات عنده وقالت: «عارف إيه؟ يمكن أوقات، الفوضى دي بتخلي الحاجات الحلوة
الحاجة فايزة حاولت تدخل المواقف، لكنها اكتفت بالابتسامة، وسمير حس إنه للمرة الأولى والدته مش هتخرب عليهم الرحلة، وكل شيء بيتمشي بسلاسة.
وفي اليوم الثالث، الدنيا قررت تعمل مفاجأة صغيرة: شاطئ خاص بالسهرة، موسيقى هادية، والعشاء جنب البحر. الأطفال اتجمعوا، وحتى الكبار بدأوا يغنوا ويرقصوا على صوت الأمواج.
سمير شاف الدنيا وهي مبتسمة في ضوء القمر وقال: «بصراحة، إنتِ العقل اللي خلّى الرحلة دي تتحقق»، ودنيا ردت بابتسامة: «وأنت المساعد اللي خلّى كل شيء يمشي من غير كارثة».
الليلة دي كانت مليانة ضحك ولحظات هدوء، والكل بدأ يفهم إن الرحلة، رغم البداية العصيبة، انتهت بشكل أفضل من المتوقع.
في اليوم الرابع، الدنيا وسمير قرروا ياخدوا الأطفال في رحلة بحرية قصيرة بالقارب. البحر كان هادي، الشمس بتنزل تدريجيًا، والنسيم منعش. الدنيا لاحظت إن الأطفال مستمتعين جدًا، وسمير شاف ابتسامة والدته فايزة لأول مرة منذ بداية الرحلة، وابتسم لنفسه: «حتى أمنا اتعلمت الاستمتاع بالفوضى».
وفي نهاية الأسبوع، وهم راجعين البيت، الشمس تغيب خلف البحر، ودنيا وسمير واقفين جنب بعض، اتفقوا على حاجة واحدة: مهما حصل، هيتعلموا إزاي يوازنوا بين العيلة والأحلام الشخصية، ومهما كانت "القبيلة" قوية، الإرادة والذكاء الشخصي دايمًا ليهم كلمة.
الرحلة اللي بدأت بكابوس، انتهت بذكريات لا تُنسى، ضحك ولحظات هدوء، وأول درس حقيقي في التحكم في المواقف الصعبة: إن الحكمة والصبر والمبادرة
تمت