بقلم امانى سيد
خناقه مع مراتى
"أنا كنت فاكرة إني اتيتِمت لما أهلي ماتوا.. بس النهاردة اكتشفت إن اليتم الحقيقي كان إني أتجوز راجل يخلي أهله ينهشوا في عرضي وكرامتي. مسموح لك تكسرني، بس مش مسموح لك تكسر ثقتي في نفسي تاني. أنا مشيت، ومش هتشوف وشي غير لما أسترد كرامتي اللي بعتها برخيص عشان عيون أهلك."
وقفت مكاني، الورقة وقعت من إيدي.. الصوت اللي كنت فاكره قفلة باب الأوضة، طلع قفلة باب حياتي معاها. الشقة اللي كانت مليانة بحسها، فجأة بقت واسعة وكبيرة وموحشة بشكل يجنن. حسيت لأول مرة إني مش بس خسرت مراتي.. أنا خسرت "الراجل" اللي كان جوايا، والبيت اللي بنيته راح في لحظة غيظ، ودلوقتي مفيش قدامي غير صدى صوتي وأنا بنده عليها في شقة بقت مجرد حيطان ميتة.
كنت لسه بفك كرافتتي وبحاول أطرد تفكيري فيها، لقيت جرس الباب بيضرب.. خبطات قوية ومستمرة، مش خبط حد عايز يدخل، ده خبط حد جاي يفتح تحقيق. فتحت الباب، لقيت أمين شرطة ومعاه عسكري، وملامحهم تقفل وتخوف.
أمين الشرطة بصلي من فوق لتحت بنظرة تقشعر البدن، وقبل
حسيت الدنيا بتلف بيا، الكلمة خبطت في دماغي كأنها رصاصة. كمل الأمين وهو بيوريني الورقة: "أنا جاي أبلغك بضرورة الحضور للقسم دلوقتي عشان التحقيق، والتقرير الطبي بيثبت تعدي بآلات أو عنف شديد، يعني الموضوع مش مجرد خناقة عادية.. ده جناية".
سكتّ تماماً، الكلمات اتجمدت في حلقي. أمي وأختي اللي كانوا من شوية بيحرضوني ويقولولي "جوعها وأدبها"، دلوقتي بقوا متهمين في قضية ممكن تودينا كلنا في داهية. بصيت لأمين الشرطة، وبدأت أدرك حجم الكارثة اللي أنا شاركت فيها بسكوتي، وبصمتي، وبإحساسي بالرجولة اللي طلع في الآخر مجرد "استقواء" على واحدة مكسورة.. ولقيت نفسي قدام خيارين: يا إما أواجه اللي عملته، يا
ركبت العربية، وأمي وأختي ورايا، الدنيا كانت ساكتة تماماً في العربية، صوت النفس المكتوم هو الوحيد اللي مسموع. أمي كانت لسه بتبرطم وبتقول: "دي واحدة قليلة الأدب وعاوزة اللي يربيها، ماتخافش يا مراد، ده محضر هيتلم في دقيقة بكلمتين"، لكن نبرة صوتها كانت مهزوزه، والمرة دي الخوف كان مالي عيونها هي كمان.
وصلنا القسم، ريحة المكان كانت تخنق ، ريحة خوف على ريحة قهوة على ريحة تحقيق. دخلنا، وأول ما عيني وقعت عليها، قلبي وقع في رجلي. كانت قاعدة على كرسي خشبي، ملامحها هادية بشكل يرعب، كانت بتكلم المحامي بتاعها بهدوء، ولا كأنها الست اللي كانت من ساعتين بتصرخ ومقطعة هدومها في الصالة عندي.
أول ما شافتني، بصتلي نظرة.. نظرة تخليك تتمنى الأرض تنشق وتبلعك. مافيش دموع، مافيش استنجاد، كانت نظرة "نهاية". أمي حاولت تفتح بوقها وتزعق، بس الظابط قطعها بصوت جهوري: "اسكتوا خالص،
قعدنا قدام الظابط، وبدأ التحقيق. كل سؤال كان بيتسأل كان بيحطنا في زاوية أضيق من اللي قبلها. التقرير الطبي كان واضح ومفصل، وصف كل كدمة وكل أثر سيبه إيد أمي وأختي، واتفاجئت إن امى كسرت الطبق على دماغها وخدت ١٠ غرز فى راسها
أمي وأختي بدأوا يتناقضوا في كلامهم، وأنا.. أنا كنت قاعد مذهول من حالنا. كنا داخلين القسم كأننا "أصحاب حق" وداخلين نربيها، وخرجنا.. أو بالاخرى ، بقينا في وضع "المتهمين" اللي حياتهم بتتحطم قدام عيونهم.
أنا قاعد باصص للأرض، سامع أمي وهي بتبكي وبتقول للظابط "دي مرات ابني"، وسامع مراتي وهي بترد بصوت ثابت زي الحديد: "، ومعايا تقرير يثبت إنهم حاولوا يموتونى ، ومراد.. مراد كان واقف بيتفرج".
في اللحظة دي، عرفت إن اللي اتكسر مش بس كرامتها، ده بيتي، وحياتي، وعلاقتي بيهم، وحتى رجولتي اللي ضاعت مني وأنا واقف متفرج.
لقتها بصت لامى واختى وقالت بمنتهى الجبروت عارفين كان سبب الخناقه دى ايه
ياترى سبب الخناقه اللى وصلتهم