بقلم امانى سيد

غرفه العمليات ٢

لمحة نيوز

اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى، كان جسمي لسه مكسر، بس روحي كانت أكتر كسر. ركبت العربية ووجهتي كانت بيتي.. بيتنا اللي بنيته لبنة لبنة، اللي كنت فاكر إنه الملاذ اللي هرجعله مهما غبت.
وقفت قدام باب الشقة، إيدي كانت بترجف وأنا بطلع المفتاح. دخلت، البيت كان هادي.. هدوء غريب، هدوء مقابر. لقيتها قاعدة في الصالون، مش بتعمل حاجة، بس باصة للفراغ، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
بصيت لها، ملامحها كانت صخر، لا حزن، لا فرح، لا عتاب. مشيت ناحيتها بخطوات تقيلة، قلت بصوت مكسور
أنا جيت.. أسبوع كامل كنت في المستشفى بين الموت والحياة، ولا حتى تليفون.. لا أنتي، ولا البنات. ليه يا سمر؟ ليه هونت عليكي؟ ده حتى العدو بيسأل عن عدوه في محنته!
وقفت، واتحركت ببطء ناحية الشباك، بصت للشارع من غير ما تلتفت ناحيتي. سكتت ثواني، السكوت ده كان بيقطع شراييني، وبعدين لفت وشها ليا، عينها كانت ناشفة تماماً، وقالت بصوت هادي، بارد، وقوي
كنت بسأل نفسي طول

الأسبوع ده سؤال واحد.. هو أنا كنت عايشة مع مين؟ أنا اللي كنت فاكراك راجل بيحمي، اكتشفت إني كنت عايشة مع سر مدفون، ووصية مبنية على خذلان.
حاولت أقاطعها، أدافع عن نفسي، بس هي رفعت إيدها وقطعت كلامي
مش عايزة أسمع مبررات. أنا سألت عنك، وعرفت إنك خرجت من العملية بالسلامة، ده كان كفاية عشان أرتاح ضميرياً. بس اللي ما عرفتوش.. هو إزاي أسامح نفسي إني فضلت مغيبة سنين، وإزاي أرجع أبدأ يومي تاني وأنا شايفة في عيون البنات صورة أبوهم اللي نسي وجودهم في لحظة موته.
بلعت ريقي بصعوبة، لساني عجز عن الرد. قربت مني خطوة، بصت في عيوني بنظرة أخيرة، وقالت
أنا ما زرتكش لأني كنت بموتك جوايا، وبدفن أي ذكرى ربطتني بيك عشان أعرف أكمل. أنا مش عايزة أعاتبك، ولا عايزة أسمع أعذار تانية. اللي بينا انتهى يا أحمد في اللحظة اللي اخترت فيها أمانتك التانية ونسيتنا نسيت توصينى على بناتى .. أنا عايزة الطلاق.
كلمة طلاق نزلت عليّ زي الصاعقة، حسيت الأرض بتميد
بيا. حاولت أتحايل، أقولها عشان خاطر البنات، عشان العشرة، بس سمر كانت أخدت قرارها، وبنت سد بيني وبينها، سد لا يمكن يتهد. كانت واقفة قدامي، مش بس بتطلب الطلاق، كانت بتعلن استقلالها عن حياة كنت فاكر إني بملكها، وطلعت هي اللي كانت مملكاني.
الكلمة رنت في وداني كأنها صوت رعد في ليلة شتا، حاولت أستوعب إن دي سمر.. سمر اللي كانت بتخاف عليا من نسمة الهوا، بقت واقفة قدامي بصلابة مش قادر أكسرها.
طلاق؟ قلتها بصوت مخنوق ومكسور، يا سمر ده إحنا عمر.. ده إحنا سنين وبنات! معقولة عشان غلطة، عشان لحظة خوف من الموت، تهددي كل ده؟
بصتلي بهدوء مرعب، وقالت الغلطة مش في الجوازة نفسها يا أحمد.. الغلطة في الاستغفال. الغلطة إنك في اللحظة اللي كنت بتواجه فيها ربك، كان عقلك وقلبك ووصيتك مشغولين بيهم هما، مش بينا.. إحنا اللي شيلناك في تعبك ومرضك، إحنا اللي بنينا معاك الطوبة فوق الطوبة، فجأة بقينا بره حساباتك، بره وجودك.. بقيت أنا والبنات مجرد تحصيل
حاصل.
مشيت ناحية أوضة البنات، ووقفت بتبص للباب، وكملت بصوت مبحوح البنات لما عرفوا.. مش هقولك انهاروا، بس اتكسروا. اتكسروا لما عرفوا إن أبوهم اللي بيشوفوه بطل في حياتهم، كان بيخبي عليهم دنيا تانية، وكان بيوصي عليهم الغريب وناسي لحمه ودمه.
قربت منها، كنت عايز أمسك إيديها، بس بعدت عني كأنها خايفة من لمسي مش عايزة أعذار، ولا عايزة أسمع كان قصدي إيه. اللي حصل حصل، والشرخ اللي في قلبي مفيش أي عملية في الدنيا تقدر تخيطه. أنا مش هحرمك من بناتك، بس بيتك.. بيتك انتهى من اللحظة اللي اخترت فيها إنك تودعني وأنت بتوصي عليا حد غيري.
قعدت على الكرسي بضعف، وبصيت للأرض، والبيت اللي كان دافي بقى بارد جداً. سمر سابتني وطلعت من الأوضة، وسمعت صوت قفل باب أوضتها وراها.. صوت كان بمثابة إعلان النهاية.
لقيت نفسي لوحدي، في وسط أحلامي اللي اتهدت، وجدران البيت اللي بقت بتسمع صمتي. الوصية اللي كنت فاكرها بتأمن مستقبل ابني، كانت هي اللي بتهدم
مستقبلي ومستقبل
تم نسخ الرابط