بقلم امانى سيد
دور كرونا ٢
المحتويات
الصالة، وبدأت أفكر في اللي جاي. ابني اللي كان بيبرني، دلوقتي بيلملم شتات بيته اللي أنا بعثرته، ومرام اللي كانت بتخدمني بحب، بقت بتشوفني مصدر خطر. مسحت دموعي بإيدي، ولأول مرة حسيت إن الجبروت اللي كنت عايشة بيه، ما هو إلا هشاشة ووجع خبيتهم ورا جملتين عن الفلوس والواجب.
بعد ما اتكلمت مع ابني، حسيت إني محتاجة أواجه مرام، حتى لو من ورا الباب. الوقفة دي كانت أصعب لحظة في حياتي، أصعب من المرض نفسه. قمت وسحبت نفسي لحد قدام باب أوضتهم، كان الباب مقفول، سامعة فيه أنفاسهم المكتومة وصوت كحتهم اللي بيقطع في قلبي.
خبطت خبطات خفيفة، وصوتي طلع مهزوز ومبحوح
مرام.. يا بنتي.. سامعاني؟
ساد صمت طويل، لدرجة إني افتكرت إنها مش هترد. وبعد لحظات، سمعت صوتها، صوت ضعيف ومكسور، مش زي عادتها وهي بتدلعني وتطمني. قالت بصوت واطي
أيوة يا ماما.. سامعاكي.. فيه حاجة؟
دموعي نزلت غصب عني، ومسحتها بطرف طرحتي
عايزة أقولك.. أنا آسفة. آسفة على كل كلمة قسيت بيها عليكي، وآسفة إني دخلت بيتكم بمرضى وخبيته عنك.. أنا اللي كنت فاكرة إني صاحبة حق، طلعت بجهلي وأنيتي ضيعت أغلى حاجة عندي.. ضيعت البيت اللي كان دافي بيكي.
سكتت، كنت مستنية أي رد، أي
يا ماما.. اللي حصل حصل. مفيش داعي للكلام دلوقتي، كل اللي يهمني إننا نقوم بالسلامة، ونخرج من المحنة دي. المهم دلوقتي صحة الولاد.. والحمد لله إن أهلنا واقفين معانا، وإلا مكنش حد هيعرف يوصل لنا أكل ولا علاج.
كلمتها كانت قاسية في براءتها؛ لأنها فكرتني إن لولا أهلها اللي أنا كنت بقلل منهم ومن مكانتهم، كان زماننا ضيعنا. حسيت إن كل الخدمة اللي كانت بتقدمهالي طول الأسبوع، كان وراها قلب أبيض أنا اللي كنت بظلمه.
رجعت قعدت في الصالة، والبيت اللي كان دايماً بيتشاف في عيني ملك لفلوس ابني، بقى دلوقتي بيت مرام.. بيت ست أصيلة شايلة أمانة بيتها وعيالها، حتى وهي بتمر بأصعب أزمة.
بدأت ألملم بقايا كبريائي المكسور، وبدأت أدعي ربنا ليل ونهار، مش عشان أخف وبس، لكن عشان يسامحني مرام، وعشان ابني يقدر يرجع يثق فيا تاني. عرفت ساعتها إن البيت مش بالفلوس اللي بتتبعت في أول الشهر، البيت بالناس اللي بيخافوا على بعض، وأنا كنت أول واحدة فرطت في الخوف ده، ودفعت التمن غالي أوي من أعز ما أملك كرامتي وراحة بالي.
بقيت بقضي يومي في الصلاة والدعاء، وأنا بسمع صوت مرام
عدى أسبوع تاني، والبيت بدأ يرجع فيه النفس بالتدريج. السكون اللي كان مالي المكان بدأ يتكسر بصوت حركة مرام الخفيفة جوه الأوضة، وصوت ضحكات الولاد اللي بدأت تظهر تاني بعد ما خفت حدة المرض. الممرضة بدأت تخفف من إجراءاتها، وبدأت ملامح الحياة ترجع للبيت اللي كان محجوز.
في يوم، لقيت باب الأوضة بيتفتح ببطء، ومرام طلعت.. كانت لسه شاحبة ووشها فيه إرهاق باين، بس كانت واقفة على رجليها، وشايلة ابنها الصغير اللي كان بيضحك لي لأول مرة من ساعة ما جيت. وقفت قدامي، وبصت لي بصه طويلة، مفيش فيها غضب، لكن فيها هدوء غريب بيخوف أكتر من العتاب.
حاولت أقوم من مكاني، بس رجلي خذلتني، ففضلت قاعدة وبصيت لها بدموع محبوسة
مرام.. حمد لله على سلامتك يا بنتي.. أنا.. أنا مش عارفة أقول إيه.
قربت مني وقعدت على الكرسي اللي قدامي، حطت ابنها جنبها، وبصت لي بنبرة هادية جداً
الحمد لله يا ماما.. ربنا نجانا، ونجى الولاد. إحنا خلاص بنتحسن، وأهلي قالوا إن مفيش داعي للممرضة من بكرة.
سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتبص في عيني مباشرة
ماما،
كلماتها نزلت على قلبي زي المية الساقعة. مكنتش مستنية سماح بالسهولة دي، كنت مستنية صد، أو قسوة، أو حتى طرد، لكن طيبتها دي كبرت جرحي أكتر.
قمت وقربت منها، وخدتها في حضني، ودموعي أخيراً انفجرت. كنت بعيط مش بس على غلطتي، لكن على الإنسانة النضيفة اللي أنا كنت بكسرها وبطالبها بواجبات وهي شايلة البيت بدم قلبها. قالت لي وهي بتطبطب على كتفي
خلاص يا ماما، خلينا نبدأ صفحة جديدة. البيت محتاج يرجع يلمنا، ومحتاجين ننسى الأسبوعين اللي فاتوا دول كأنهم كابوس وراح.
ساعتها عرفت إن مرام ما كانتش بس مرات ابني، دي كانت عمدان البيت اللي أنا كنت فاكرة إنها من غيرهم البيت هيقع، وهي بجد اللي شالت البيت في أصعب وقت. قررت من جوايا إني لازم أغير طريقتي تماماً، ولازم أعرف إن البيت ده مش ملك لفلوس ابني، لكن ملك للمودة والرحمة اللي مرام هي اللي بتزرعها
بدأت تساعدني
متابعة القراءة