بقلم امانى سيد

سنين الغربه ٢

لمحة نيوز

على أكبر معارض الموبيليا، كنا بننقي كل حتة على الفرازة أوضة نوم مودرن ألوانها تفتح النفس، وأنتريه شيك، وسفرة صغيرة على قدنا. أحمد مفاصلش في قرش، كان بيدفع العربون وهو مبسوط ويقولي انقي يا نادين، اللي عينك تروح عليه هيركب عربية الشحن بكرة.
في نفس الوقت، أمي وأخواتي البنات مأنتخوش؛ أخدوا بعضهم وطلعوا على شقتي. لما رحت هناك بعد ما خلصنا العفش، لقيتهم قالبين الشقة خل وبيكربونات ومطهرات. أمي كانت واقفة شادة حيلها وبتزعق في أخواتي امسحوا الحيطان دي تلات مرات، مش عايزة ريحة النفس القديم تفضل هنا!. الشقة كانت بتبرق، والبلورات والشبابيك مفتوحة للهوا والشمس يدخلوا يطردوا أي طاقة مغلولة كانت مستخفية في الأركان.
وتالت يوم، كانت الملحمة الكبيرة.
عربيات الشحن وصلت تحت العمارة، وصوت العمال وهم شايلين الخشب الجديد طالعين بيه كان مسمع الشارع كله. حماتي ومرات أخوه كانوا واقفين ورا الشيش، يفتحوا حتة ويبصوا بقهر على العفش الجديد اللي كرتونته لسه عليه، العفش اللي أنضف وأغلى بمراحل من اللي باعوه وتبهدل
تحت إيديهم.
أحمد كان واقف وسط العمال زي المهندس، يوجه ده ويساعد ده، وأنا وأخواتي بنفرش المفارش والستائر اللي كنا غاسلينها. على المغرب، الشقة كانت اتفرشت بالكامل، والسجاجيد رجعت من المغسلة ريحتها ورد وفل واتفرشت في الصالة. وقفت في نص بيتي، وبصيت حواليا المرة دي فعلاً حسيت إنه بيتي، المكان بقاله روح جديدة بتضحك لنا.
أحمد دخل عليا الأوضة، كان عرقان وتعبان بس عينيه بتلمع بفرحة متتوصفش. قفل الباب وراه، وقرب مني وهو بيطلع علبة قطيفة حمراء من جيبه، وفتحها قدامي.
لقيت جواها غويشة ذهب جديدة، عريضة وبتلمع، تقيلة تملى الإيد. بلمت وبصيت له، فمسك إيدي ولبسهالي وهو بيقولي
الفلوس اللي اتبقت من العفش والبيع والشراء، قولت ملهاش مكان غير هنا في إيدك. دي بدل اللي اتباعت، والمرة دي محدش يعرف طريقها ولا هيعرف مكانها فين. مبروك عليكي بيتك الجديد يا أميرتي، ومبروك عليا رجوعك لحضني وأنتِ راضية.
نزلت دمعة من عيني، بس المرة دي كانت دمعة فرحة، وأنا ساندة راسي على صدره وسط بيتنا الجديد اللي اتقفل علينا وبس.

مرت كام ساعة وإحنا قاعدين في هدوء تام، الهوا اللي داخل من البلكونة ريحته نضيفة، وصوت الأذان كان بيملا الشقة ويحسسنا بأمان غريب كأننا كنا في حرب وربنا كتب لنا النصر.
بصيت لأحمد وهو ساند ضهره على الكنبة الجديدة، ملامحه التعبانة كانت هادية لأول مرة من ساعة ما وصلنا من المطار. قام براحة وشغل كاسيت صغير كان جايبه مع العفش الجديد، ووطى الصوت على آيات من سورة البقرة، عشان البيت يتبارك والقرآن يطرد أي حسد أو غل سابوه وراهم.
قرب مني وقعد جمبي، مسك إيدي اللي فيها الغويشة الجديدة وباسها وقال بنبرة هادية بس فيها حسم
خلاص يا نادين... صفحة واتقفلت ورمينا كتابها كله في الزبالة. من هنا ورايح، مفيش مخلوق هيعرف عنا حاجة، ولا حد من أهلي هيدخل العتبة دي تاني. إحنا شقينا برة عشان نعيش مستورين وفي هدوء، والهدوء ده هحافظ عليه بروحي.
هزيت راسي وأنا حاسة برضا حقيقي مالي قلبي
عندك حق يا أحمد... الشقى مش بس فلوس ودهب، الشقى الحقيقي هو راحة البال، وطالما إحنا سوا والباب ده مقفول علينا، يبقى الدنيا كلها
مش فارقة معايا.
قمت وقفت في البلكونة، وبصيت على الشارع. الشمس كانت بتغيب، والنور الهادي مالي المكان. لمحت من بعيد وليد أخوه وهو راجع، لابس لبس عادي مش من حاجتنا، وماشي مطأطأ راسه وعينه في الأرض بعد ما اتهزت صورته قدام الشارع كله وعِرفوا إنه اتمد على حاجة مش بتاعته. وحماتي كانت واقفة تحت في مدخل العمارة، باصة لفوق بحسرة، بس أول ما لمتني واقفة رافعة راسي، دارت وشها ودخلت جوة بسرعة.
لفيت ضهري للشارع كله، ودخلت جوة الشقة.
أحمد كان واقف مستنيني عند الباب، مسك إيدي وقفلنا ضلفة البلكونة الإزاز، وبعدها رحت وراه عند باب الشقة الكبير... قفلناه بالترباس، ولفينا المفتاح تلات غلقات.
بصينا لبعض وابتسمنا، وفي اللحظة دي بالظبط، حسيت إن السنتين اللي ضاعوا من عمري في الغربة رجعوا لي في دقيقة واحدة. البيت اللي كنت بحلم بيه طول السفر، مكنش مجرد حيطان وعفش... كان الراجل اللي صانني، والمكان اللي اتقفل علينا ومبقاش فيه مكان ولا لطماع.
سندت راسي على كتفه وإحنا بنمشي جوة صالتنا المنورة، وأخيرًا... عرفت
إني رجعت بيتي.

تم نسخ الرابط