بقلم امانى سيد

اجدد الانتريه

لمحة نيوز

وراه بكل قوته لدرجة إن الشقة كلها اتهزت.. وأنا وقفت مكاني، أخدت نفسي لأول مرة من الصبح، وحسيت بنار قهرتي بدأت تبرد شوية وأنا شيفاه نازل يجيب حقي بنفسه.
فضلت واقفة مكاني في وسط الصالة، باصة للباب المقفول والهدوء فجأة حل في الشقة بعد العاصفة اللي كانت قايدة. لأول مرة من سنين أحس إن طعم الانتصار قريب، وإن صبري مجاش على الأرض. قعدت على طرف الأنتريه المكسور، وبقيت بتابع عقارب الساعة اللي كانت بتمر أتقل من الجبال.. نص ساعة، ساعة، وأنا كل شوية أقول لنفسي يا ترى إيه اللي بيحصل تحت؟ يا ترى حماتي هتلوي بوزه وتطلع نفسها مظلومة كالعادة، ولا جوزي المرة دي هيفضل راجل واقف على حقي وحق بيته؟
فجأة سمعت صوت خطوات سريعة على السلم، والباب اتفتح فجأة. دخل وجوزي وشه أحمر دم، وعروق جبهته بارزة من كتر الزعيق والنقاش اللي كان داير تحت. مكنش قادر ينطق ولا كلمة، دخل خطوتين في الصالة، ورفع إيده اللي كانت بتترعش من العصبية، وحدف على الكنبة رزمة فلوس.. فلوس جمعيتي كاملة مكملة، بالورقة والقلم.
بصلي وهو بيلهث ونبرة صوته فيها كمية غضب تزلزل المكان، وقال آدي فلوسك اهي يا أماني.. كاملة ومفيهاش مليم ناقص.. أنا مبقاش صغيّر في عيلتي، ولا حد يستقل بيا وببيتي، ولا أختي ولا غيرها تتمنظر على قفايا وقفا ولادي.. انزلي بكرة الصبح، هاتي أحسن أنتريه في السوق، والفلوس اللي تنقصك قوليلي وأنا هكملهالك، ومشوفش دموعك دي تاني!
أنا في اللحظة دي، حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. بصيت للفلوس وبصيتله، ومسكت رزمة الفلوس في إيدي وأنا بضمها لصدرى، وحسيت إن كل سنة صبرتها مع قلة الإمكانيات وكل كلمة برود سمعتها من حماتي، حقي رجع فيها تالت ومتلت.. وبكرة الصبح، الشقة
دي هتتغير، والكل هيعرف إن أماني مش حيطة مايلة لحد.
نزلت أنا وهو تاني يوم الصبح، ومكنتش مصدقة نفسي وأنا ماشية جنبه.. الشمس كان شكلها مختلف في عيني، والشارع كله كأنه بيضحكلي بعد ليلة طويلة من القهر والتعب. كنا داخلين معارض الأثاث وراسي مرفوعة، والمرة دي مش لوحدي، جوزي كان ماشي جنبي وعينه في عيني، وكأنه بيثبتلي ويثبت لنفسه إنه قد الكلمة.
دخلنا معرض كبير، وبدأت ألف وأنقي.. اخترت الأنتريه اللي كنت بحلم بيه؛ خامة نضيفة، وخشب زان يستحمل بهدلة الولاد وتنطيطهم، ولون مودرن ينطق الشقة ويغير شكل الصالة تماماً. دفعنا العربون، ولقيت جوزي بيبصلي ويداعبني ويقولي بس كدة؟ مش هنلف نشوف حاجة تانية؟
بصيتله باستغراب وقولتله حاجة تانية إيه يا أبو العيال؟ ما الفلوس يدوب على قد الأنتريه ومصاريف نقله!
لقيته ابتسم وشد إيدي وبكل ثقة دخل بيا على قسم غرف الأطفال.. وقفت مذهولة وهو بيشاور على أوضة نوم أطفال كاملة، خشبها متين وشكلها يجنن، وقال للمسؤول في المعرض احسبلي دي كمان مع الأنتريه يا فندم.
التفتّ ليه وبقيت ببرق بعيني وقولتله بوشوشة أنت بتعمل إيه؟ هنجيب منين؟
مسك إيدي وضغط عليها وقال بنبرة كلها رجولة وسند أنا هكمل من معايا يا أماني.. الولاد بقالهم سنين نفسهم في أوضة نضيفة، وأنا مش هسيب حد يتمنظر علينا ولا يقول عيال حبيبة أحسن من عيالي.. الأوضة دي هتيجي وهتفرش بيت أولادي، والقرشين اللي ناقصين أنا هصرفهم من تحت الأرض عشان أشوف الفرحة في عينك وعينهم.
دموعي نزلت من الفرحة، بس المرة دي كانت دموع رد الاعتبار. اتفقت أنا وهو وإحنا راجعين في الطريق، والابتسامة مش مفارقة وشنا.. مسك إيدي وقالي بصي يا أم العيال.. إحنا من أول الشهر الجاي هنعمل
جمعية تانية بس المرة دي هتكون أكبر.. وبفلوسها هنقلب الشقة دي جنة؛ هنوضب النقاشة، ونغير الديكور، وأول ما تقبضيها هننزل سوا ونغير أوضة النوم بتاعتنا ونرتاح من كركبة السنين اللي فاتت.
حسيت إن الدنيا ضحكتلي أخيرًا، وإن الصبر آخره جبر، والبيت اللي اتهز بالظلم رجع وقف على حيله بالعدل والحق.
وفعلاً، مبقاش مجرد كلام ووعود في الهوا؛ من أول الشهر اللي بعده نفذنا كل اللي اتفقنا عليه. أنا دخلت في جمعية على قد ما أقدر من فلوس شغلي، وجوزي المرة دي حط رجله في جمعية تانية أكبر بكتير مع ناس مضمونين في شغله، وكان شادد حيله وعنده حماس مكنتش بشوفه فيه من سنين.. كان حاسس إن كرامته وبيته هما الرهان، ومبقاش يقبل بأقل من إنه يشوف شقته أحسن شقة في العيلة.
الشهور جرت ورا الشهور، وكنت كل ما أبص للأنتريه الجديد في الصالة، وأدخل أوضة الأطفال ألاقي ولادي نايمين متهنيين في أوضتهم الجديدة والكياس لسة عليها، قلبي يتملي طاقة ويقين إن اللي جاي أحسن.
ولما جه ميعاد قبض الجمعيتين مع بعض، كانت الفرحة مش سيعانا. الفلوس بقت في إيدنا وخير ربنا كتر، وبدأنا رحلة التجديد الشاملة اللي كنت بحلم بيها وأنا قاعدة على الخشب زمان.
جوزي جاب صنايعية نقاشة ونظفوا الشقة كلها، دهنا الحوائط بألوان مبهجة ومودرن، وصلحنا كل حتة كانت مكسورة أو متبهدلة. ويوم ما نزلنا نشتري أوضة النوم الكبيرة، كنت حاسة إني عروسة وبتجهز من جديد! اخترت أوضة نوم شيك جداً، خشبها تقيل ولونها هادي يريح الأعصاب، وغيرنا معاها المطبخ ورتبنا كل ركن في البيت.
الشقة اتقلبت جنة تانية خالص،
وبقت تنطق بنظافتها وحلاوتها. لما وقفت في وسط بيتي وبصيت حواليا، اتنهدت تنهيدة طويلة من كل قلبي وقولت الحمد لله.
. شقايا وتعب سنين صبري مرحش في الأرض، والبيت اللي بدأ بظروف صعبة وحاجات رخيصة، اتبنى من جديد على أساس متين بفضل ربنا ثم تعبي وسند جوزي ليا، ومبقاش حد يقدر يستقل ببيتنا ولا بوعيلنا بعد اليوم.
وكانت النهاية هي البداية الأجمل لكل اللي جاي.. بعد ما شوفنا بيتنا وهو بيتحول من شقة متهالكة لمكان كله دفا ونظافة، فرحتنا دي مكنتش مجرد فورة وهتروح لحالها، بالعكس، دي فتحت نفسنا على الدنيا وخليتنا ندرك قيمة تعبنا وشقانا لما بيتحط في مكانه الصح.
وقفنا أنا وهو في وسط أوضة النوم الجديدة، وبصينا لبعض بابتسامة رضا، ولقيته بيقرب مني ويمسك إيدي ويقولي عارفة يا أماني؟ الشقة دي مش هترجع لورا تاني أبداً.. طول ما إحنا إيدنا في إيد بعض، بيتنا دايماً هيفضل عمران ونظيف.
اتفقنا من يومها على عهد جديد؛ خصصنا جزء ثابت ومقطوع من مرتبه هو ومرتبي أنا من شغلي كل أول شهر، شيلناه على جنب وبقى اسمه صندوق البيت. الفلوس دي ملناش دعوة بيها ولا بمصاريف الأكل والشرب والولاد.. دي مخصصة بس عشان كل شهرين تلاتة ننزل نجيب بيها حاجة جديدة تخلي الشقة أحلى وأحلى.
شهر نجيب ستارة شيك ومودرن للصالة، وشهر نشتري طقم سجاد يليق على ألوان الدهان الجديدة، وشهر تاني نجدد فيه طقم المواعين والأجهزة اللي في المطبخ.. وبقينا عايشين في متعة تانية خالص، متعة إننا بنكبر بيتنا حتة حتة وبشقا أيدنا، ومن غير ما نمد إيدنا لحد ولا نستنى جمعية تخلص.
قفلت صفحتي مع الماضي، ومع قهرتي من حماتي وكلامها.. وبقيت كل ما أبص لولادي وبهم بيلعبوا في بيتهم النظيف الواسع، وجوزي اللي بقا سندي وضهري وبيدور على راحتي، أحمد ربنا من كل قلبي.. الصبر المر آخره دايماً جبر، وبيتي بقا هو مملكتي اللي مفيش
مخلوق يقدر يهزها تاني.

تم نسخ الرابط