بقلم امانى سيد
خيانه فى عز الازمه الجزء الثاني
وفجأة، وسط الزحمة والمعازيم، ليلى لمحت راجل عجوز واقف بعيد عند باب القاعة. شعره أبيض تماماً، ضهره محني، وهدومه، رغم إنها نضيفة، بس باين عليها الفقر والكسرة. كان واقف بيبص لمروان بـ,ـدموع،
مش قادر يقرب ولا قادر يمشي.
دياب.. اللي كان في يوم من الأيام فاكر إن الدنيا ملكه، وإنه يقدر يرمي دي ويقضي سهرته عند دي، واقف دلوقت غريب في فرح ابنه الوحيد. ليلى قامت من مكانها ببطء، مشيت ناحيته بخطوات واثقة. لما قربت منه، دياب نزل عينه في الأرض من الكسوف، صوته طلع مرعش مبروك يا ليلى.. مروان بقى عريس زي القمر، طالع لك يا أصيلة.
ليلى بصت له نظرة أخيرة، مكنش فيها غل، كان فيها شفقة. قالت له بهدوء الله يبارك فيك يا دياب. كان نفسي أقولك ادخل سلم عليه، بس ابني النهاردة فرحان، ومحبش أفكرُه بوجع قديم هو نسيه من زمان. مروان فاكر إن والده مسافر لمكان ملوش رجوع، خليك أنت المسافر ده، وسيبه يعيش يومه.
دياب هز راسه بوجع، وطلع من جيبه علبة قطيفة قديمة ومهلوكة، قدمها لها بإيد بتـ,ـترعش دي حاجة بسيطة.. كنت شايلها له من سنين، قولي له إنها هدية من
ليلى خدت العلبة، فتحتها لقت جواها ساعة قديمة ماركة غالية، كانت ملك لوالد دياب. قفلت العلبة وقالت له هتوصل له يا دياب.. بس باسمك، مش باسم فاعل خير. مروان دلوقت بقى راجل يقدر يسامح، بس مقدرش ينسى.
دياب لفت ضهره ومشي وهو بيجر رجليه، وفي اللحظة دي مروان جه من ورا ليلى وحط إيده على كتفها ماما؟ مين الراجل اللي كنتي واقفة معاه ده؟
ليلى بصت في عين ابنها، وابتسمت ابتسامة صافية ده واحد يا حبيبي كان بيصلح مواجع قديمة، والنهاردة قدر يقفل الحساب.
مروان مألحش في السؤال، خد إيدها وطلع بيها على الكوشة عشان يتصوروا. ليلى وهي واقفة جنب ابنها وعروسته، والاضواء كلها عليهم، حست إن دي أعظم تورتة صنعتها في حياتها، تورتة الصبر والكرامة.
النهاية مكنتش بس في قفل باب قديم، النهاية كانت في إن ليلى عرفت تربي راجل، عمره ما هيسيب حنفية بيته تنقط وجع، ولا هيسيب مراته تصرخ من البرد وهو بيدور على دفى كذاب في بيت تانية
وانتهى الفرح، والشوارع فضيت، وليلى رجعت بيتها، قلعت عقد اللولي وحطته قدامها. بصت لنفسها في المراية وقالت خلاص يا ليلى..
قصة السباك انتهت للأبد، وبدأت حكاية العيلة اللي بجد.
عدى كام شهر على فرح مروان، والحياة رجعت لهدوئها الجميل. ليلى كانت قاعدة في بلكونتها، بتشرب قهوتها الصبح وهي بتبص على الزرع اللي مالي المكان. فجأة، جرس الباب رن. فتحت، لقت مروان ومراته هنا داخلين وهما شايلين شنط سفر.
في إيه يا ولاد؟ مسافرين
ولا إيه؟ سألت ليلى باستغراب.
ليلى ضحكت وحست إن ده أجمل تعويض عن سنين التعب. وهما في الطريق، مروان كان سايق بحرص، وكل شوية يبص ل هنا ويطمن إنها مرتاحة، ويعدل لها التكييف. ليلى كانت مراقبة المشهد من ورا، وقلبها بيرقص من الفرحة. مروان مطلعش زي أبوه؛ مروان طلع النسخة النضيفة اللي هي زرعتها فيه.
وصلوا البحر، وليلى وقفت قدام المية الزرقاء الصافية، وسرحت في كل اللي فات. افتكرت ليلة السخونية، وافتكرت ريحة الفانيليا الكدابة، وافتكرت وقفتها قدام دياب وهي بتطرده. حست إن البحر غسل آخر ذرة وجع كانت باقية جوه روحها.
تليفونها رن، لقت رسالة من مروة طليقة
ليلى نزلت التليفون من إيدها، وبصت للسما. مابكتش، ولا شمتت. هي بس حست إن العدل كمل دايرته لآخر نقطة. نادت على مروان يا مروان! تعالى يا حبيبي.
مروان جه جري نعم يا ماما؟
قالت له بهدوء عايزاك النهاردة تطلع صدقة جارية، بنية إن ربنا يسامح أي حد ظلمنا في يوم من الأيام.. إحنا خلاص نفوسنا رضيت، والحساب بقا عند اللي مبيظلمش.
مروان بصلها بفخر، وهز راسه بالموافقة. ليلى غمضت عينيها واستنشقت ريحة اليود وهوا البحر، وحست إنها أخيراً بقت خفيفة زي الريشة.
النهاية مكنتش في مـ,ـوت دياب، ولا في نجاح ليلى بس.. النهاية الحقيقية كانت في الصورة اللي اتصورتها ليلى مع مروان ومراته قدام الغروب؛ صورة لبيت متبني على الأصل و الرحمة، بيت حنفياته مبقتش بتنقط وجع، وسقفه بقى بيحمي من أي مطر.. بيت أخيراً، بقى فيه رجل بجد، وأم عرفت تزرع الحب وتحصد
الكرامة.
تمت
حكايات انجى الخطيب