بقلم امانى سيد
بيت العيله ٢
والورق انكتب، وحمايا مضى وهو إيده بترعش، وجوزي مضى وهو باصص لي بخوف مش بحب.
أول ما الورق بقى في حضني، رحت لأبويا وخلصت الحكاية. سددنا الديون، والحاج جابر خد فلوسه ومشي، والبيت رجع هادي.. بس هدوء ميت.
تاني يوم الفجر، حمايا مخرجش للزريبة، ولا جوزي نطق بكلمة. قمت أنا، لبست جلاليب بيتي غالية، وحطيت ريحة، وقعدت في الصالة، في نفس المكان اللي حمايا هددني فيه بالخراب. دخلت حماتي وهي شايلة صينية الفطور، حطتها قدامي وهي مطأطأة راسها وقالت
الفطور يا ست البيت.. حماكي بيقولك الجواميس محتاجة علف، ومستنيكي تقولي له يجيب منين.
شربت رشفة من الشاي وقلت ببرود
الزريبة يخدمها خدام، وحمايا ملوش شغلانة غير إنه يقعد في المندرة صورة قدام الناس، والمال ده مالي، والكلمة من هنا ورايح.. كلمتي.
بصيت للعلامة اللي كانت باقية على خشب الأنتريه، ومسحتها بمنديل حرير وأنا بقول في سري
اللي بيبدأ بالتهديد، بينتهي بالندم.. والبيت اللي كنت هتحرقه يا حمايا، أنا اللي بقيت سيده.
مرّت الأيام والوضع في البيت اتشقلب تماماً. حمايا اللي كان صوته بيجيب آخر الشارع، بقى يقعد في المندرة بالساعات ساكت، باصص لللاشيء، كأنه كبر في الكام يوم دول عشرين سنة. وجوزي بقى عامل زي الظل، يدخل ويخرج بحساب، وعينه مابتجيش في عيني، كأنه خايف يلمح فيهم انكساره اللي هو اختاره لنفسه يوم ما سكت.
في ليلة، كنت قاعدة في الصالة،
خلاص يا حسنة؟ ارتحتي؟ البيت بقى ملكك، والكل بقى تحت طوعك.. بس الظاهر إنك نسيتي إننا في صعيد، والناس بدأت تلاحظ إن حماكي مابقاش يخرج ولا يدخل، وإن الكلمة مابقتش تطلع غير من عندك.
بصيت له بكل برود، ورفعت راسي
والناس كانت فين يا جوزي لما كنت بنزل الزريبة في عز البرد؟ والناس كانت فين لما دهبي اتاكل في قمار وديون؟ اللي يهمه كلام الناس، يصون بيته وحرمته الأول. إنتو اللي اخترتوا الطريق ده، وأنا مجرد مشيت فيه لحد آخره.
قام وقف بعصبية مكتومة
أنا كنت فاكر إن الأرض اللي هتتباع دي عشان نعيش، مش عشان تذلينا بيها. إنتي لغيتي شخصيتي وشخصية أبويا.
ضحكت بمرارة
شخصيتك إنت اللي لغيتها يوم ما وقفت تتفرج عليا وأنا بتذل. والديون اتسددت، والبيت انستر، والحاج جابر غار بوشه.. عايز إيه تاني؟ عايزني أرجع خدامة عشان تحس بإنك راجل؟ الحكاية دي خلصت يا ابن الأصول.
قبل ما يرد، الباب خبط خبطات واطية، ودخلت حماتي. كانت ماسكة في إيدها علبة قطيفة قديمة، وشها كان باهت ونظرتها مكسورة. قربت مني ومدت إيدها بالعلبة
خدي يا حسنة.. دول كان حماكي شايلهم للزمن، ومحدش يعرف عنهم حاجة. دهب ستي وأمي. قالي أديهم لكِ، ويقولك حقك رجع وزيادة، بس يا بنتي كفاية
فتحت العلبة، لقيت فيها غوايش قديمة بلدي تقيلة، دهب من النوع اللي ريحته فيها بركة زمان. بصيت للدهب، وبصيت لحماتي، وبعدين بصيت لجوزي اللي كان واقف مذهول إن أبوه كان مخبي دهب وكل ده حصل.
هنا، حسيت بوجع غريب في قلبي. الانتصار طعمه بقى مرّ في حلقي. قفلت العلبة وحطيتها على التربيزة وقلت بصوت هادي
الدهب ده يرجع لحمايا.. والورق اللي معايا ده، هيفضل في الحفظ والصون طول ما مفيش حد بيجي على حقي. أنا مش عايزة أذل حد، أنا كنت عايزة أعيش بكرامتي. من بكرة، حمايا يرجع صدر المندرة، وجوزي يرجع يشوف شغله.. والزريبة هيجي لها خدام بفلوسي. بس الكلمة الكبيرة، والمال، مبيخرجش مليم منه إلا بإذني.. واللي يقرب من كرامتي تاني، الورق ده هيتحول لنار تحرق الكل.
حماتي بكت من الفرحة وخدت العلبة، وجوزي بص لي نظرة فيها خجل مخلط باحترام جديد.. احترام مكنش هيجي بالدلع، كان لازم يجي ب العين الحمرا.
وقفت في البلكونة، شفت الفجر بيشقشق، وسمعت صوت الأذان. عرفت إن حسنة العروسة ماتت، واتولدت مكانها حسنة الست اللي عرفت تحمي نفسها في وسط غابة.. بس السؤال، هل البيت ده هيرجع فيه دفا تاني، ولا العقود والكمبيالات هيفضلوا حاجز بيني وبين جوزي العمر كله؟
المهم الحسابات خلصت، والورق بقى في جيب حسنة، والبيت اللي كان سجن بقى هو الملك. حمايا رجع المندرة، بس قعدته
عدى شهر، وفي ليلة دخل عليا جوزي الأوضة، كان شايل كيس صغير وحطه قدامي على السرير ونزل عينه في الأرض
خدي يا حسنة.. دول غوايش وخاتم، تمنهم من تعبي في الغيط الشهر ده، ومن نصيبي في المحصول اللي حمايا ادهولي لأول مرة بيدي.. قالي دول ل ست البيت الحقيقية.
بصيت للدهب الجديد، مكنش بجمال دهبي اللي ضاع، بس كان طعمه أغلى. رفعت راسي وقولتله
الدهب بيتعوض يا ابن الأصول، لكن الكسرة هي اللي مابتتلمش.. والورق اللي في جيبه ده، أنا هحرقه قدامك دلوقتي.
جبت الورق، وولعت فيه عود كبريت في نص الصالة، والنار أكلت كل تهديد وكل وصل أمانة. بصيت لجوزي وقولت
حرقت الورق عشان أبدأ معاك من جديد، مش عشان أنا ضعيفة، لأ.. عشان أثبت لك إن حسنة اللي حمت البيت ده، تقدر تهدّه في لحظة لو اتغدر بيها تاني.
من يومها، والكلمة بقت كلمتي، والزريبة جيبنا لها أنفار، وحمايا مابقاش ينطق بكلمة خراب البيت على لسانه أبداً. عرفوا إن البيت اللي ملوش كبيرة عاقلة، الخراب بياكله من جوه قبل بره.
وقفت حسنة في بلكونتها، بصت لغيطها ولبيتها، وابتسمت وهي بتلمس غوايشها الجديدة. الحكاية مكنتش حكاية دهب وجواميس، كانت حكاية كرامة اندبحت في أول أسبوع، وصاحبتها عرفت تخيط جرحها بإيدها، وتخلي اللي استهان
تمت.