بقلم امانى سيد
بيت العيله
قلت في سري: "ماشي يا حمايا.. عايزها حرب؟ خليها حرب. عايز "حسنة" الشغالة اللي بتسمع الكلام؟ هتاخدها. بس اللي يرضى ببيع دهبها عشان خاطر بيت، لازم يعرف إن اللي بتشتري الراحة، بتعرف تبيع اللي يكسرها."
نمت ليلتها بدموعي، وقبل الفجر ما يشقشق، وقبل ما الباب يخبط، كنت قايمة. لبست الجلابية السمراء، وربطت طرحتي ربطة "شقا"، ونزلت السلالم والبيت كله سكون. فتحت باب الزريبة، ريحة الطين والعلف خبطت في نَفَسي، والظلمة كانت لسه محاوطة المكان.
مسكت المقشة وبدأت أنضف، وكل "هبدة" كانت بتطلع غلي. وأنا في نص الشغل، حسيت بخيال ورايا. اتلفتّ، لقيت حماتي واقفة على الباب، ماسكة سبحتها وبتبص لي بنظرة فيها "شماته" مختلطة بانتصار.
— "عفارم عليكي يا حسنة.. أهي دي الأصول. الحرمة اللي تخدم مالها، هي اللي تعيش وتكبر في عين جوزها وحماها."
رديت عليها بنبرة ميتة، وعيني في الأرض:
— "المال مالكم يا خالة، والخدمة واجب.. بس يا ريت حمايا يفتكر إن اللي بتصون المال، تستاهل تنصان هي كمان.
ضحكت حماتي ضحكة خفيفة وقالت وهي ماشية:
— "بكرة تتعودي، والدهب هيرجع غوايش وسلاسل، بس لما البهايم دي تملى الزريبة خير."
عدى اليوم، ومن الزريبة للمطبخ، ومن المطبخ لخدمة حماتي. وجوزي؟ كان بيشوفني وأنا مهتكة التعب، يبتسم ابتسامة باهتة ويمسح على كتفي كأنه بيطمن "الخدامة" إن شغلها عاجبه.
لكن اللي محدش فيهم خده باله منه، إن "حسنة" كانت بتسمع كل كلمة بتتقال في المندرة، وبدأت تعرف "مدخل" حمايا فين، وإيه هي الحتة اللي بتوجعه بجد.. المال.
في يوم، وأنا بنضف الزريبة، سمعت حمايا بيكلم تاجر بره، وصوتهم كان عالي في الحسابات. وقفت ورا الباب أسمع، وعرفت إن "الجموستين" اللي اتجابوا بذهب أهلي، هما مجرد بداية للعبة كبيرة حمايا بيدخل فيها بفلوس "الناس".
هنا بس، رفعت راسي وابتسمت لأول مرة من يوم الذهب.
"بقى كدة يا حمايا؟ بتبني قصورك بذهب الغلابة؟ ماشي.. الصبر طيب."
مرّت الأيام وحالي بقى مابين الزريبة والمطبخ، وجسمي اللي كان ناعم بقى يشتكي من خشونة الطين، لكن عقلي
في ليلة، والبيت كله غرقان في النوم، كنت واقفة في المطبخ بعمل كوباية شاي لنفسي أسند بيها طولي، دخل جوزي. بصلّي بنظرة فيها "حنّية" متأخرة، وقرب مني وقال بصوت واطي:
— "شوفتي يا حسنة؟ أهو الحال مشي، وأبويا بقى راضي عنك، والجموستين بسم الله ما شاء الله بان خيرهم في الزريبة.. الصبر آخره عمار يا بنت الناس."
لفيت وشي له، وبصيت في عينه بجمود خلاه يرتبك، وقلت له بنبرة هادية بس سمّ:
— "العمار اللي بتبنوه بدهب الحريم يا "ابن الأصول"؟ أنا سمعت أبوك والتاجر النهاردة.. سمعت إن الجموستين دول مش بتوعنا لوحدنا، وسمعت إن فيه "كمبيالات" وفيه فلوس ناس تانية داخلة في البيعة.. يعني إنتوا مش بس خدتوا دهبي، إنتوا حاطين رقبتكم تحت سيف التاجر، وواهمين نفسكم إنكم أصحاب مال."
وشه اتخطف، والارتباك بان في حركة إيده:
— "و.. وإنتي إيه
ضحكت ضحكة مكتومة، ضحكة وجع ممزوجة بسخرية:
— "أبوك ، والتاجر اللي كان واقف بره ده، "الحاج جابر"، عينه مش على المال، عينه على الزريبة باللي فيها لو الحساب مخلصش في ميعاده.. ودهبي اللي اندفع، اندفع في مركب مخرومة يا جوزي."
سكت، والكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. سيبته وطلعت أوضتي، وقبل ما أنام بصيت لإيدي اللي لسه "معلمة" من مكان الغوايش، وقلت في سري:
"اللي بيبني على شقا غيره، بيته من قش.. وإنت يا حمايا، فتحت باب الزريبة لـ "حسنة"، بس متعرفش إن "حسنة" هي اللي معاها مفتاح السر اللي هيخلي التاجر يجيلك لحد عندك يطالب بحقه.. وحقي أنا كمان."
باقي الأسبوع، كنت عاملة زي خيال المآتة، حاضرة بجسمي بس عقلي في حتة تانية خالص. كل ما حمايا يمرّ قدامي بجلابيته المنشية وضحكته اللي مالية المندرة، كنت أبتسم له بكسرة مصطنعة، وهو يزيد في غروره ويقول لي: "أهي دي الرضا يا حسنة.. المال بيحب