بقلم امانى سيد
ارض بور ٣
"حقك رجع يا بنتي.. وعجز أبوكي النهاردة انكسر بيكي وباللي صانك."
نزلنا الشارع، الهوا البارد لمس وشوشنا، وميرفت خدت نفس عميق كأنها أول مرة تتنفس من سنين. عصام حط الشنط في العربية وبص لنا وقال:
"الليل ده خلص يا عمي.. وبكرة شمس ميرفت هتطلع، ومن غير غيوم."
تحركت السيارة ببطء في شوارع المدينة الهادية، وميرفت كانت سانده راسها على الشباك، بتراقب أضواء العواميد وهي بتجري وكأنها بتغسل ملامح الحزن اللي ارتسمت على وشها سنين. عصام كان سايق وعينه على الطريق، بس كل شوية يبص لها في المراية، كأنه بيتأكد إنها لسه معانا، إنها متهدتش تماماً.
أنا كنت قاعد جنب عصام، وإيدي لسه ساندة على مسند الكرسي المتحرك اللي انطوى واتحط في الشنطة ورا، كنت حاسس إن روحي هي اللي كانت مطوية ومكسورة، والنهاردة بس اتفردت.
سكتت ميرفت كتير، وفجأة قالت بصوت واطي بس ثابت:
"عارف يا عصام.. أصعب لحظة مكنتش وأنا بتجر من شعري، ولا وأنا بترمى تحت رجل بابا. أصعب لحظة لما شفت الفرحة في عين نوال وأنا خارجة مكسورة. كانت بتبصلي كأنها انتصرت، كأنها خدت حتة من الجنة وهي متعرفش إنها خدت جحيم مترتب."
عصام ضغط على الدريكسيون بقوة وقالك
"نوال وأمثالها يا ميرفت بيعيشوا على أنقاض غيرهم، والبيوت اللي بتتبني بالظلم سقفها بيقع على صحابه أول ما الريح تهب. إنتي النهاردة مخرجتيش خسرانة، إنتي خرجتي ومعاكي كرامتك، ومعاكي حقيقة إنك كنتي أجدع وأرجل من "شاكر" وأهله كلهم."
بصيت لها وقلت بقلب أب محروق:
"واللي قال عليكي 'أرض
ميرفت لفت وشها لينا، وابتسامة خفيفة أوي ظهرت على شفايفها:
"خلاص يا بابا.. شاكر ونوال والماضي كله اترموا ورا ضهرنا. أنا من بكرة هفتح صفحتي من جديد. الدروس اللي كنت بديها عشان أجهز بيت غيري، هديها عشان أبني مستقبلي أنا. والكرسي ده يا بابا.."
بصت لكرسيّ وكملت بدموع لمحت في عينيها:
"الكرسي ده مش عجز، ده الشاهد الوحيد إنك شلتني وإنت في أصعب حالاتك، وأنا بكرة هخليك تمشي بيا وإنت فخور، مش بس بيا، وبنفسك كمان."
عصام وقف العربية قدام بيتنا القديم، البيت اللي شهد طفولة ميرفت قبل ما الغريب يكسر فرحتها. نزل وشال الكرسي وفردة بحرفية، وسندني لحد ما قعدت، وميرفت شالت الشنط وهي ماشية بطلة تانية خالص.
قبل ما ندخل باب العمارة، عصام بص لها وقال:
"الحق مش بس بيتاخد بالدراعات يا ميرفت، الحق بيتاخد بالنجاح. بكرة لما تنجحي وتكبري، ده هيبقى أكبر قلم على وش كل اللي استوطوا حيطتك."
دخلنا البيت، والمرة دي النور مكنش باهت.. المرة دي النور كان مالي القلوب قبل المكان. ميرفت دخلت أوضتها القديمة، وسابت الشنط، وفتحت الشباك عشان ريحة الفجر تدخل، وكأنها بتمحي ريحة "الوجع" اللي كانت لازقة في هدومها.
أنا نمت ليلتها وأنا حاسس إن ضهري اللي اتقسم نصين، اتجبّر بوجود راجل صان العرض، وبنت عرفت إن قيمتها مش في "خلفه" ولا في "راجل"، قيمتها في روحها اللي رفضت تتداس.
ومع خيوط الفجر الأولى،
بصيت لها وأنا على كرسيّ، وشفتها وهي بتكلم "عصام" في التليفون وصوتها فيه نبرة غريبة.. نبرة حسم:
"يا عصام، المحامي يجهز قضية تبديد منقولات، وقضية تعويض. والوصلات اللي شاكر مضى عليها وقت تجهيز الشقة، أنا مش هتنازل عن مليم فيها. الستر اللي كان عايز يعمله لنوال، هيعمله وهو مديون لآخر يوم في عمره."
عصام جالنا الصبح ومعاه المحامي، وقعدوا يراجعوا الورق. المحامي بص لميرفت بإعجاب وقال:
"يا ست ميرفت، إنتي مأمنة نفسك بالورق ده تأمين يخلي شاكر يلف حوالين نفسه. ده لو باع العربية وشقته مش هيسدد نص الديون اللي عليه ليكي."
في اللحظة دي، ميرفت بصت للأرض وقالت ببرود:
"أنا مش عايزة أسجنه يا أستاذ.. أنا عايزة "أكسره". عايزاه يعرف إن الأرض البور اللي رماها، هي اللي كانت سانداه من السجن. خليه يدفع، ويدفع بدم قلبه، عشان كل زغروطة أمه زغردتها امبارح، تتقلب النهاردة حسرة على حال ابنها."
وفعلاً، الخبر وصل لبيت شاكر زي الصاعقة. في وسط فرحتهم بـ "العروسة الجديدة"، استلم أول إنذار على يد محضر. نوال اللي كانت فاكرة إنها خدت "الجمل بما حمل"، اكتشفت إن الجمل غرقان في ديون ميرفت، وإن الشقة اللي كانت بتفرش فيها ستايرها، مهددة بالحجز.
شاكر حاول يكلم ميرفت، اتصل بيها مية مرة، وفي الآخر ردت ببرود:
"إيه يا عريس؟ نوال
شاكر انهار في التليفون:
"يا ميرفت إحنا عشرة عمر، بلاش تفضحيني وتخربي بيتي، أنا مش حمل المحاكم والديون دي كلها!"
ميرفت ضحكت ضحكة هزت كياني وأنا قاعد جنبها:
"بيتك؟ أنت نسيت يا شاكر إنك رميتني من شعري وقولتلي ما تلزمنيش؟ النهاردة بقى أنت اللي ما تلزمنيش، لا إنت ولا رجوعك. والديون دي حق شقايا اللي كنت بتصرفه على هدايا لنوال وأنا قاعدة بخدم أمك. اشبع بنوال يا شاكر.. بس اشبع بيها وإنت على البلاط."
قفلت السكة في وشة، ولفت لي وهي بتبتسم:
"عارف يا بابا.. دلوقتي بس حسيت إن شعري اللي كان شاده بإيده، رجع نبت فيه الكرامة من تاني. أنا مش هعيش في ضله بعد النهاردة، أنا هعيش في ضل نجاحي."
فتحت ميرفت اللاب توب بتاعها، وبدأت تكتب.. مكنتش بتكتب دروس المرة دي، كانت بتكتب حكايتها، حكاية "ميرفت والأرض البور". الكلمات كانت بتنزل من قلبها على الشاشة زي الرصاص، وكأنها بتتحرر من كل لحظة عجز عاشتها في البيت ده.
بصيت لها بفخر، وقلت في سري: "يا شاكر، إنت رمتها عشان مابتخلفش عيال، بس إنت متعرفش إنها النهاردة ولدت 'ست' تانية خالص.. ست لا أنت ولا عشرة زيك يقدروا يكسروا عينها تاني."
ومع غروب شمس اليوم ده، ميرفت قامت وباست إيدي وقالت:
"يلا يا بابا.. ننزل نتمشى شوية في الهوا؟ النهاردة الدنيا شكلها أجمل بكتير."
زقت ميرفت الكرسي بتاعي، وخرجنا للشارع، وراسنا مرفوعة للسما، وإحنا عارفين إن اللي معاه الحق.
تمت امانى سيد