امانى سيد
ارض بور
قامِت وراحت ناحية الشباك، فتحت حتة صغيرة وبصت للسما اللي كانت غرقانة في الضلمة، وقالت بهمس سمعته بالعافية:
"بكرة الصبح يا بابا، هلم اللي فاضل لي في البيت ده، مش هسيب له حتى خيط يربطني بيه.. والكلمة اللي رماني بيها، هردها له بس بطريقتي أنا."
نظراتها للسما مكنتش نظرات استسلام، كانت نظرات استجماع للقوة. وفجأة، رن جرس الباب رنة قوية، رنة واثقة مش خايفة، قطعت سكون الليل اللي غرقنا فيه. ميرفت اتخضت وبصتلي، وأنا زقيت عجل الكرسي بتاعي بجهد ناحية الصالة وقلبي بيدق.. مين اللي هيجي في وقت زي ده؟
فتحت ميرفت الباب، ووقفت مذهولة. كان "عصام"، ابن عمها اللي كان مسافر بقاله سنين، واللي ميرفت كانت دايمًا بتوصفه إنه "الأخ اللي مخلفتوش أمي". كان واقف بطوله، وشه ميتفسرش، بس عينه كانت بتنطق غضب أول ما شاف حالتها وشعرها اللي لسه مبهدل وآثار الدموع على وشها.
عصام محكاش ولا سأل "إيه اللي حصل"، دخل البيت بوقار وهدوء مرعب، وبص لميرفت وقال كلمة واحدة:
"لبسي طرحتك يا
ميرفت ردت بصوت مرعوش:
"راجعين فين يا عصام؟ ده رماني تحت رجل بابا وقالي بنتك أرض بور.. ده هيتجوز نوال أرملة أخوه بكرة يا عصام!"
عصام ضحك ضحكة باردة خلتني أنا نفسي أخاف وأنا قاعد على الكرسي، قرب من ميرفت وحط إيده على كتفها وسندها:
"الأرض البور دي هي اللي طلعت رجالة يا ميرفت.. والستر اللي بيتحاموا فيه ده أنا اللي هكشفه. أنا لسه واصل من المطار وعرفت كل حاجة من الجيران على السلم. مكنتش متخيل إن 'عريس الغبرة' فاكر إن مالكيش ظهر، ولا إن عمي العاجز ده لوحده."
بص لي عصام وباس راسي وقالي بصوت واثق:
"ارتاح يا عمي.. النهاردة الكرسي ده هيبقى العرش اللي هنقعد عليه وإحنا بناخد حق بنتنا. يلا يا ميرفت.. اطلعي قدامي."
خرجنا من الشقة، عصام كان بيزق الكرسي بتاعي بقوة وثبات، وميرفت ماشية جنبه كأنها استردت روحها بوجوده. وصلنا قدام باب شقتها، الباب اللي اترمت من وراه من ساعات. عصام مخبطش، عصام رزع الباب برجله رزعة زلزلت البيت كله، ودخلنا.
المنظر جوه كان زي ما توقعنا.. نوال قاعدة في النص بتمثل دور العروسة المكسوفة، وأمه بتلبسها عقد دهب كان بتاع ميرفت، وهو قاعد ينفخ صدره. أول ما شافوا عصام، الضحكة اتجمدت على وشوشهم.
عصام مابصش للراجل، بص لنوال وقال بنبرة تقطر سم:
"العقد ده يليق عليكي يا نوال.. بس خسارة، أصله مسروق. والستر اللي إنتي جاية تدوريه هنا، هينقلب عليكي فضيحة بكرة."
جوزها قام وقف وهو بيحاول يبان شجاع:
"إنت إيه اللي دخلك هنا يا عصام؟ دي بيتي ودي مراتي الجديدة، وميرفت ملهاش مكان هنا."
عصام قرب منه لحد ما بقى النفس في النفس، وبصوت واطي زي فحيح الحية قال:
"البيت ده؟ البيت اللي ميرفت ممضياك على وصلات أمانة بتمن كل مسمار فيه؟ ولا البيت اللي إنت واخد قرض بضمان دهبها عشان تجيب عفشه؟ ميرفت النهاردة مش جاية تاخد هدومها يا 'دكر'.. ميرفت جاية تاخد شقاها. والكلمة اللي قولتها لعمي 'بنتك أرض بور'، أنا هخليك تدفع تمنها من شرفك اللي إنت فاكر إنك بتستره بنوال."
عصام طلع من جيبه ورق وقفل
"ابداي لمي حاجتك يا ميرفت.. أي حاجة لمستيها، أي حاجة دفعتي فيها مليم، شيليها. وأنا قاعد هنا، والراجل ده لو فكر يرفع عينه فيكي، هنسيه اسم أمه قبل اسم نوال."
بصيت لميرفت، لقيتها بدأت تتحرك في البيت ببرود وقوة، بتشيل الستاير وتلم الأجهزة، وأنا قاعد على الكرسي المتحرك في نص الصالة، ساند ضهري ورافع راسي، بتفرج على "كسرة العين" وهي بتنتقل ليهم واحد ورا التاني. عصام مكنش مجرد طرف تالت، عصام كان "القدر" اللي نزل عليهم عشان يوريهم إن الحساب مبيتأخرش.
ميرفت كانت بتتحرك في الشقة زي الإعصار، ملامحها اللي كانت مطفية من ساعة، قادت فيها نار الانتقام. بدأت تسحب الهدوم من الدواليب وترميها في الشنط، وعصام واقف في نص الصالة زي السد المنيع، عينه مابتنزلش من على جوزها اللي انكمش وصغر لدرجة إنه بقى مش عارف ينطق بكلمة.
أمه بدأت تولول وتخبط على صدرها:
"يا خرابي! إلحق يا ابني، بيخربوا بيتك وعفشك اللي لسه مالحقتش تتهنى بيه نوال!