امانى سيد

ارض بور

لمحة نيوز

عارف يعني إيه تقف تتفرج على حتة من قلبك بتتهان، وأنت متكتف بعجز السنين وقلة الحيلة؟
إيده اللي اترفعِت عليها دي، نزلت على روحي أنا.. قسمت ظهري نصين. شفت في عينيها كسرة ودموع محبوسة، نظرة رعب وعتاب مكتوم عمري ما هقدر أنساها. كانت بتبصلي من على الأرض، هدومها متبهدلة وشعرها نازل على وشها بيخبي ملامحها اللي انطفت، مستنية مني أردلها كرامتها، أهد الدنيا فوق دماغ اللي كسرها.. لكن كل اللي قدرت أعمله إني أمد إيدي المرتعشة المليانة تجاعيد عشان أسندها وأخبيها في حضني.
دموعها اللي كانت بتنزل بصمت على صدري، حرقت كل ذرة كبرياء جوايا. وهو؟ واقف بطوله عند باب الشقة، فارد صدره بكل برود، بيبصلنا باحتقار كأنه بيتخلص من كراكيب في بيته، مش بيمزع لحم ودم.
في اللحظة دي، الدنيا كلها كانت بتلف بيا. نور السلم الباهت كان كأنه بيعكس الضلمة اللي سكنت قلبي. صوت الباب وهو بيترزع وراه بقوة زلزل جدران البيت، كان زي رصاصة الرحمة اللي أنهت المشهد، بس أعلنت بداية عذاب من نوع تاني.. عذاب الأب اللي شاف بنته بتندبح قدامه، وسكينة العجز على رقبته هو قبلها.
خدتها ودخلت، قفلت بابنا علينا.. قعدت على طرف السرير أطبطب عليها في العتمة وهي بتنتفض زي الطير المذبوح. مش عارف أقولها إيه.. أقولها حقك عليا أنا إني أمنته عليكي؟ ولا أقولها إن دموعك دي غالية بس أبوكي ظهره مكسور؟ السكوت كان أرحم، بس النار اللي قادت في صدري وقتها، واللي انعكست في عيني وأنا باصص للأرض
كانت بتحرق كل ذكرى لليوم اللي جالي فيه

يطلب إيدها. بصيت لإيدي المرتعشة اللي ساندة راسها، وافتكرت منظره من دقايق وهو داخل ينهج، جاررها من شعرها وسط ذهولي، ومن غير مقدمات رماها تحت رجلي كأنها "شروة" بايظة.
كلمته لسه بتنخر في ودني زي المنشار وهو بيصرخ بوش مكشوف وجاحد: "خد بنتك الأرض البور دي، ما تلزمنيش.. اللي ما تجيبش حتة عيل يشيل اسمي، مكانها هنا، في بيت أبوها!"
صوت ميرفت وهي بتشهق تحت رجلي، وشعرها اللي كان بين إيده، وكسرة عينها قدامي وأنا العجوز اللي مش قادر أرد الضربة بضربة، كان أصعب من الموت. قفلت بابنا علينا بعد ما مشي وهو بيمسح إيده في هدومه بقرف، وكأنه كان شايل حمل ورميناه.
قعدت على طرف السرير أطبطب عليها في العتمة وهي بتنتفض زي الطير المذبوح. مش عارف أقولها إيه.. أقولها حقك عليا أنا إني أمنته عليكي؟ ولا أقولها إن دموعك دي غالية بس أبوكي ظهره مكسور؟
وف وسط شهقاتها، ميرفت رفعت راسها ببطء، عينيها كانت حمرا من كتر الوجع، وقالت بصوت مكسور بس فيه نبرة غريبة:
"عارف يا بابا هو رماني ليه؟"
بصيت لها باستفهام، فطلعت تليفونها بإيد بتترعش، وورتني صورة بعتتها لها أخته "بالغلط" أو يمكن بقصد عشان تجهزها للصدمة. كانت صورة له وهو قاعد في وسط عيلته، وجنبه نوال، أرملة أخوه الكبير. كانت نوال لابسة فستان سواريه بسيط، وهو ماسك إيدها وبيلبسها دبلة أخوه اللي مات.. بس المرة دي باسمه هو.
ميرفت ضحكت ضحكة هستيرية، دموعها نزلت مع صرخة مكتومة:
"أتاري الأرض البور كان لازم تتبور يا بابا عشان يزرع في أرض أخوه! أهله
كلهم كانوا هناك.. أمه اللي كانت بتقولي يا بنتي، وأخته اللي كانت بتعيط معايا على حالي.. كلهم كانوا بيشربوا شربات خطوبته على نوال وأنا لسه على ذمته، وأنا لسه بتهان في بيته عشان مابخلفش!"
سكتت لحظة وكملت وهي بتهز راسي بقوة:
"كانوا عارفين وموافقين يا بابا! نوال اللي كنت بمسح دموعها على جوزها، وافقت تاخد جوزي! قالي (أرض بور) عشان يداري خيانته، عشان يرميني برأس مرفوعة وضمير مرتاح  ويقول العيب فيها هي.. أهله باعوني بالرخيص وهما عارفين إن مش بإيدى أى حاجة

قامت ميرفت ببطء، كأنها بتلملم شتات روحها اللي اتبعثرت تحت رجليه. كانت ماشية بخطوات تقيلة ناحية الحمام، بتسند على الحيطان وهي بتبص للفراغ بنظرات غايبة، كأنها مش مصدقة إن العمر اللي ضاع معاه، والمودة اللي شالتها لأهله، كانت مجرد "فترة انتظار" لحد ما تجهز بديلتها.
دخلت ميرفت الحمام، وسمعت صوت المية وهي نازلة بغزارة، كأنها بتحاول تغسل ريحة إيده اللي كانت شادة شعرها، أو بتمحي أثر نظرة الاحتقار اللي رماها بيها قدامي. وأنا؟ فضلت مكاني على السرير، مذهول من فكرة إن "نوال" اللي كانت ميرفت بتعتبرها أمانة أخوه، بقت هي السكينة اللي اتدبحت بيها بنتي.
طلعت ميرفت بعد شوية، لافة طرحتها بإهمال، وشها كان لسه شاحب بس عينيها بقيت أهدى.. هدوء مرعب، زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. قعدت على الكرسي القديم قصادي وقالت بنبرة خالية من الروح:
"عارف يا بابا، وأنا بتهان منه كان بيقولي إيه؟ كان بيقولي إن نوال 'ست الستات'، وإنها أثبتت

أصلها لما وافقت تلم شتات العيلة وتحافظ على عيال أخوه.. قالي إني كنت مجرد غلطة صلحها النهاردة."
مسحت دمعة وحيدة هربت من عينها وكملت:
"أمه كلمتني الأسبوع اللي فات، كانت بتطلب مني أروح أساعد نوال في توضيب شقتها، قالتلي 'يا ميرفت إنتي الكبيرة والحنينة ومحدش هيخاف على مصلحة نوال زيك'.. أتاريهم كانوا بيخلوني أفرش بيت جوزي لغيري! كانوا بيضحكوا على خيبتي وأنا بختار معاهم لون الستاير وشكل العفش!"
مسكت إيدها المرتعشة، وضغطت عليها بقوة:
"ميرفت.. اللي حصل ده مش كسر ليكي، ده كشف ليهم. الحقيقة لما بتبان بوجع، بتبقى أحسن مية مرة من كدبة نعيش فيها العمر كله. نوال وأهله اختاروا طريقهم، وإحنا ملناش مكان في السكة دي."
ردت بصوت فيه حشرجة مكتومة:
"أنا مش زعلانة عليه يا بابا، أنا زعلانة على نفسي. زعلانة على كل لقمة طبختها بحب لأمه، وعلى كل سهر سهرته مع نوال وهي بتعيط على أخوه.. أتاريها كانت بتخطط تاخد مكاني وهي في حضني. أنا عايزة حقي يا بابا.. مش عايزة فلوس ولا عايزة عفش، أنا عايزة أشوف كسرة عينه زي ما كسرني قدامك."
بصيت للشبابيك اللي كانت بتتهز من ريح الشتا، وقولتلها بصوت طالع من أعماق وجعي:
"حقك مش هييجي بالعياط، ولا هييجي بالخناق. حقك هييجي لما يشوفك واقفة على رجلك وأنتي مش محتاجة له ولا ليهم. والستر اللي بيدعيه بوجعك، ربنا هيخليه نار تاكل في بيته الجديد. نوال اللي خانت عشرتك، والراجل اللي هان عرضك، بكرة يدوقوا من نفس الكاس.. والبيوت اللي بتتبني على أنقاض قلوب الناس،
مابتسكنهاش غير اللعنة."

تم نسخ الرابط