بقلم امانى سيد

الامانه ٢

لمحة نيوز

طيف وحقي هيتاخد مليم بينطح مليم.. ومن هنا ورايح، هتخرج من البيت ده بشنطة هدومك، زي ما دخلته أول يوم حافي ومالكش مأوى غير كرم أخوي.. وهنشوف ساعتها الهانم اللي انت ماشي وراها دي هتفضل معاك وتستحمل قِلتك، ولا هترجعك مكان ما جيت!
الكلام شلّ حركتي، بصيت لشوق مستنيها تدافع عني أو تقف في ضهري وتقولي إننا هنعدي ده سوا، بس اللي شفته في عيونها كانت نظرة نفور وخوف من الفقر، نظرة خلت بطني تقلب وأحس إن الهاوية خلاص بتفتح بوقها عشان تبلعني!
بصيت لشوق وأنا مصدوم، مستنيها تقرب مني، تلمس كتفي زي ما كانت بتعمل، وتقولي إحنا مع بعض ومش فارق معانا فلوس الدنيا.. لكن شوق كانت واقفة متصلبة مكانها، عيونها اللي كانت بتلمع حب ودلال اتقلب بريقها لنظرة تانية خالص، نظرة حسابات جافة وباردة كأنها بتقيّم بضاعة خسرت تمنها فجأة.
رجعت شوق خطوة لورا بعيد عني، وقالت بصوت مفيش فيه ريحة الدلع اللي دوخني شهور
يعني إيه الكلام ده يا حسام؟ يعني إيه الحسابات اتجمدت والفيلا مش ملكك؟! انت مش قولتلي إنك الكل في الكل وإن كل حاجة باسمك وبإيدك؟! انت ضحكت عليا ولا إيه؟
الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة، حسيت كأن حد ضربني قلم فاقني من سكرة عمري كله، اتلفتّ ليها بذهول وقولت بنبرة مهزوزة
ضحكت عليكي إيه يا شوق؟! إنتي شايفة اللي بيحصل ومين اللي بيهجموا عليا؟! أنا جوزك.. الفلوس هتيجي والورث هيتصفى، مش ده اللي يفرق بينا!
ضحكت شوق بسخرية وجع، ومسكت شنطتها الفخمة اللي كنت لسه شاريها ليها بألوفات من كام يوم، وبصتلي من فوق لتحت بقرف وقالت
لا يا حبيبي يفرق، ويفرق كتير كمان.. أنا متجوزتش واحد عشان يترمى في الشارع بشنطة هدومه ويدوخ في المحاكم سنين عشان ياخد فتافيت! أنا اتجوزت راجل أعمال صاحب شركات وأملاك، إنما عيل مسلوب الإرادة وكل عيشه كان بحس مراته وأبوها؟ لا معلش، ماليش في الشحاتة دي!
عمتي رمت ضحكة شامتة هزت أركان الصالة وقالت
أهو ده أصل الحريم اللي تبيع أهلك وناسك عشانهم يا ابن فايز.. شربت من نفس الكاس اللي سقيته لبنت عمك في ثواني!
في اللحظة دي، نزل صوت كعب جزم على السلم بهدوء وثبات. رفعت عيني ولقيت طيف نازلة، كانت لابسة طقم أسود شيك ووقور، وشها منور ومفيش فيه أي أثر للدموع، عيونها كانت بتبص على المشهد كله ببرود تام.. بصت لشوق الواقفة مرعوبة على مصلحتها، وبصتلي وأنا مكسور في نص الصالة.
طيف وقفت على آخر درجة في السلم، وبصوت نقي وقوي قطعت بيه النفس في المكان، شاورت للحراس اللي كانوا واقفين على الباب وقالت
الشنطتين اللي فوق بتوع حسام وشوق يترموا برة البوابة فوراً.. والاتنين دول مش عايزة أشوف ضلهم في أي عقار أو شركة تخصني من اللحظة دي!
حسيت الدنيا بتلف بيا.. طيف اللي كنت شايفها عبء، هي اللي بتشاور بإيدها تطردني، وشوق اللي بعت اهلى وأصلي عشانها، كانت أول واحدة تدوس على رقبتي وهي بتهرب من السفينة اللي بتغرق.
طيف قطعت كلامي بنبرة حاسمة وصوت مفيش فيه ذرة تردد، عيونها كانت بتبصلي بجمود تام، وقالتلي الكلمات اللي نزلت كأنها رصاص على صدري
وصية أبويا؟! أنا كنت مستحملة القرف والإهانة والجحود ده كله من الأول عشان وصية بابا بس، كنت بقول وصيته ولازم أحافظ عليها وأصون العهد.. لكن انت طلعت متستاهلش! متستاهلش حتى أرميلك السلام، ولا تستاهل اسم بابا اللي خلاك بني آدم.
خدت نفس طويل، ورفعت راسها لفوق بعزة نفس وشموخ، وكملت ببرود قاطع
مش عايزة أشوف وشك.. لا هنا في البيت، ولا تلمح ضل باب الشركة من بكرة الصبح.. رجلك متخطيهاش تاني! وورقتي توصلني من سكات، بدل ما أخلي المحاكم تجرجرك وتطلعك من المولد بلا حمص!
عمتي شاورت للحراس يقفلوا الباب، والحديد التقيل اتقفل في وشي بصوت رن في كل حتة جوايا، وقفت في الشارع لوحدي وشنطة هدومي مرمية جنبي، مذهول ومكسور بعد ما ضاع مني كل حاجة.. طردتني من حياتها للأبد، ورمتني برة النعمة اللي عمري ما صنتها.
فضلت واقف قدام البوابة المقفولة دقايق مش قادر أستوعب إن كل حاجة انتهت في غمضة عين. الشارع كان بيمر فيه الناس عادي، وأنا واقف وسطهم ببدلتي الغالية اللي متبهدلة من التراب، وجنبي شنطة هدومي مرمية على الرصيف، كأني شحات اتطرد من القصر بعد ما انكشف أمره.
مديت إيدي في جيبي بلهفة أطلع تليفوني عشان أكلم شوق، كان عندي أمل أهبل إنها تكون حست بالذنب أو إن كلامها ده كان مجرد غضب لحظي.. أول ما اتصلت، الخط فتح، وبصوت مهزوز قولت
شوق.. اسمعيني، إحنا لازم نتقابل ونفكر هنعمل إيه، أنا مستحيل أسيب حقي ولازم...
صوتها قطع كلامي ببرود ملوش مثيل، ضحكت بسخرية وقالت
حق مين يا بابا؟! فوق بقى! إنت خلاص بقيت على الحديدة، والشركة اللي كنت داخل بيها بصدرك بقت مقفولة في وشك بأمر المحكمة والورثة.. أنا أصلاً اتفقت مع المحامي بتاعك يبعتلي ورقة الطلاق، ومش فاضيالك عشان عندي مقابلات شغل جديدة ومحتاجة أرتب حياتي مع ناس بجد مش عيال بتعيش في جلباب غيرها!
وقبل ما ألحق أنطق بكلمة واحدة، قفلت السكة في وشي وعملتلي
تم نسخ الرابط