بقلم امانى سيد

ساندويتات ١

لمحة نيوز

أنا من زمان متعودة أحضر لانش بوكس لجوزي عشان هو ما بيحبش يفطر الصبح بدري، فبعمله ويفطر بيه في الشغل. زميل جوزي في الشغل راجل ما عندهوش ذوق وطف س، جوزي قالي أزود في محتوى اللانش بوكس عشان زميله ده بيفطر معاه، رغم إن زميله ده مبسوط مادياً بس ولا يوم جاب معاه فطار في الشغل، ولا حتى عزم عليه بكوباية شاي.
جوزي من النوع اللي مش بيحب يحرج حد، وأنا مض ايقاني قوي حوار إنه زميله اتعود، والفضل يرجع لجوزي طبعاً لأن هو من البداية اللي عوده على كده. وأنا بصراحة شايفه إنه كده حرام وغل ط، والأولى بالأكل والشرب ده أنا وولادي، لأن هو مرتاح مادياً وعنده زوجة قادرة تعمله أكل. وجوزي بنفسه اشتكى لي منه كذا مرة إنه ما عندهوش ذوق وطف س، بس جوزي مش قادر يقوله، وكمان زميله ده قاله كذا مرة خلي مراتك تنوع وتفنن في الأكل، يعني بدل ما بعمل سندوتشات جبنة ولانشون خليها تعمل بانيه أو بوفتيك وكده يعني، وأنا بصراحة متغ اظة منه ومن بروده وقل ة أدبه.
من يومين وأنا بحضر اللانش بوكس لجوزي، عملت حساب جوزي في الأكل وبس، وقفلت اللانش وحطيته له في شنطته، فلما راح الشغل وجي يفطر هو وزميله، جوزي اتفاجئ إن الأكل معمول لشخص واحد مش لشخصين. المهم إنه لما رجع البيت قالي اللانش بوكس ما كانش فيه غير أكل لشخص واحد، فبقوله أيوه ده صحيح وأنا عملت كده عشان زميلك ده يح س على دمه ويفهم إن كفاية ط فاسة واتعود.
قام جوزي ض ربني بالقلم وبعدين ض ربني على ظه ري وبقى يض رب فيا بالأق لام على وشي لحد ما سن اني لقدام اتك سرت بالنص. 
بصي بقى، الصدمة ما وقفتش لحد هنا! أنا كنت قاعدة في الصالة وسناني مكسورة، ودموعي مش راضية تقف، والوجع في جسمي وفي قلبي كوم، واللي حصل بعد كده كوم تاني خالص.
بعد ما نزل وسابني في حالتي دي، قعدت أفكر هو إزاي اتمادي معايا بالشكل ده؟ ده أنا مراته وأم عياله، وعملت كده غيرة عليه وعلى شقانا وعلى قرشنا اللي أولى بيه ولادنا. قعدت أجمع في نفسي وفي كرامتي اللي اتهانت، وقلت لازم أدور ورا الحكاية دي، مش ممكن يكون رد الفعل المرعب ده عشان خاطر مجرد زميل طفس في الشغل! في حاجة غلط، وفي حلقة مفقودة في الموضوع كله.
نزلت رحت الشغل عنده وأنا حاطة طرحة ومخبية وشي وسناني المكسورة، وسألت بطريقة غير مباشرة من غير ما يحس. وهناك كانت المفاجأة اللي نزلت عليا زي الصاعقة، المفاجأة اللي خلفت ركبي مش شايلاني..
طلع ما فيش زميل طفس ولا حاجة! طلع زميلته!
آه والله، طلعت واحدة معاه في المكتب، وهي اللي كانت بتاكل من أكل بيتي اللي بعمله بعرقي وتعبى وصحيانى بدرى ، وهي اللي كانت بتتنطط وتتشرط وتقول خلي مراتك تفنن وتعمل بانيه وبوفتيك! وجوزي، البيه اللي ما بيحبش يحرج حد ويخاف على مشاعر الغرب، كان بياخد الأكل عشان يظبط بيه شكله قدامها ويعمل فيها الجنتل الكريم على حسابي وحساب صحتي ووقتي!
وقفت في نص الممر وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا، وشريط الأيام اللي فاتت كله بيتعاد قدام عيني.. ضربه ليا، وإهانته، وكسرة سِنتي، كل ده ما كانش عشان صاحبه.. كل ده كان عشان اتمسخر قدام الست هانم وكسفت شكله لما لقى السندوتشات على قده بس!
المصيبة إني وأنا واقفة مذهولة في ممر الشركة، وحسيت بنار قايدة في صدري بتاكل الأخضر واليابس.
كان نفسي أدخل أوجعها زي ما اتوجعت، وأفرّج عليهم الشركة كلها وأفضحهم، بس حطيت إيدي على وشي وقلت لنفسي لا.. اللي اتكسر جوة مش هيرجعه خناقة شوارع، أنا لازم أكسر عينه وأجيب حقي تالت ومتلت زي ما كسر سنتي وهان كرامتي. لفيت ورجعت البيت، والدموع اللي في عيني نشفت وبقت شرار.
قعدت في الصالة مستنياه.. الساعات كانت بتمر كأنها سنين. كنت ببص في المراية على وشي المتبهدل وسنتي المكسورة بالنص وأضحك بوجع وقهر، وأقول لنفسي وربنا ما هعديهالك.
أول ما الباب اتفتح ودخل في الميعاد بتاعه، بصلّي بطرف عينه بنظرة كلها كبرياء وافترا، وكأنه لسه مأدبني وشايف نفسه راجل عليا، وقال ببرود يقهر لسه على حالتك دي؟ قسماً بالله لو قصرتي في لقمة البيت ولا لسانك طول تاني ليكون حسابك أتقل من كده، إنتي فاهمة؟
وقفت بكل ثبات، ونزلت إيدي من على وشي، وبصيت في عينه مباشرة.. ابتسمت ابتسامة أظهرت سنتي المكسورة والدم المحبوس فيها، وقلت له بصوت واطي وناعم يرعب تصدق عندك حق؟ أنا فعلاً غلطانة وقصرت.. كان لازم من الأول أفنن وأعمل بانيه وبوفتيك، عشان الست هانم زميلتك تتبسط والأكل يعجبها وماتقولش على مراتك مابتفهمش!
أول ما نطقت الكلمة دي، شفت عينه برقت واللون هرب من وشه تماماً، والشنطة اللي كانت في إيده وقعت على الأرض..
لحظة صمت مرعبة قطعت النفس في الصالة.. وبقى رزق واقف مبرق، باصص لي ومش قادر ينطق بكلمة واحدة. اللسان الطويل اللي كان لسه شغال تهديد ووعيد، فجأة أكنه أتمسح! حاول يبلع ريقه، وعينه بدأت تروح وتيجي في المكان، بيدور على أي كدبة أو مخرج يلحق بيه نفسه، بس شكله كان يجيب الأرض.. ملامحه اتخطفت تماماً والدم هرب من عروقه.
بدأ يتقدم ناحيتي خطوة وهو بيترعش، ونبرة صوته اتقلبت 180 درجة، من الجبروت والافترا للخوف والارتباك، وقال بتلعثم إنتي.. إنتي بتقولي إيه يا لمار؟ زميلة إيه وكلام فارغ إيه! إنتي أكيد اتجننتي من خبطة الصبح وجاية تخرفي!
ضحكت بصوت عالي، ضحكة وجع وقهر طالعة من وسط دموعي، وقلت له لأ يا رزق، أنا عاقلة قوي والحمد لله.. الخبطة دي هي اللي فوقتني وعرفتني إن الأكل اللي كنت بصحى له من النجمة وأقف أعمله بحب عشان تفطر بيه، كنت بتاخده تظبط بيه نفسك وتعمل فيها الجنتل الكريم قدام الست الهانم، وهي تتشرط وتتأمر على حساب صحتي ومصروف ولادي! ولما جيت في يوم قصرت معاها، جيت تطلع غلك وكسفتك فيها عليا أنا!
قرب أكتر وعايز يمسك إيدي عشان يهديني وهو بيقول طب اهدي بس يا لمار.. والله الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة، دي مجرد زميلة في المكتب وبتاكل معايا عادي زي بقية الناس، وأنا...
قاطعت كلامه وزقيت إيده بكل قوتي، وبصيت له وعيني بتطق شرار ماتلمسنيش! إيدك دي اللي اتمدت عليا وكسرت سنتي عشان خاطرها، وربنا ما هشمامها ريحة البيت ده تاني.. إنت تلم حاجتك دلوقتي حالا، وتطلع برة، وتشوف بقى الست هانم بتاعت البانيه والبوفتيك

تم نسخ الرابط