بقلم امانى سيد
ترقيه ١
فاتن، الشغل مريح شوية اليومين دول، والسيولة مش قد كده، مش هيموتنا يعني لو ريحنا أسبوعين.
هنا بقى وشها التاني ظهر بالكامل، النبرة الرقيقة والسحر والضحكة اللي خطفتني اتمحوا، وقالتلي بحدة وعينين حاميين لا يموتني يا بشمهندس! أنا متجوزتكش عشان تقعدني في البيت وتقولي السيولة مريحة. أنا فاتن، ومستوايا ماينزلش الأرض عشان خاطر أزماتك.. اتصرف!.
نزلت من البيت وعقلي هيطير، الإحباط والضغط مخلونيش أفكر.. رحت سحبت من الفيزا كارد كاش، ودخلت في ديون وقروض عشان بس أرضي غرورها وأحافظ على صورتنا قدام الناس على السوشيال ميديا، عشان مشوفش نظرة الاحتقار في عينيها. وبقيت كل شهر أستلف عشان أدفع قسط شقة الكومباوند ومصاريف لبسها وخروجاتها، والرصيد اللي في البنك اتصفر وبقى بالسالب.
لحد ما جيت في يوم، ودخلت المكتب، لقيت قرار رسمي على مكتبي.. الشركة قررت تستغني عني بسبب تراجع أدائي في الفترة الأخيرة ومشاكلي المالية اللي بدأت تسمع في الشغل. الدنيا اسودت في عيني، المكتب والسلطة والبرستيج.. كله ضاع في لحظة.
رجعت البيت وأنا رجلي مش شايلاني، دخلت الشقة لقيت فاتن قاعدة بتتفرج على مجلة موضة وبتشرب قهوتها بروقان. قعدت على الكنبة وحطيت راسي بين إيديا وقلت لها بصوت مخنوق فاتن.. أنا اترفدت من الشركة.. كل حاجة راحت.. ومبقاش معايا مليم، والشقة دي مهددين إننا نطرد منها لو مدفعناش باقي الأقساط.
كنت فاكر، ولو لنسبة واحد في المليون، إنها هتقوم تطبطب عليا، أو تقولي أنا جنبك وهنعدي الأزمة سوا زى ما مراتي الأولى كانت بتعمل زمان لما كنا بنمشي على فيض الكريم.. لكن فاتن سابت المجلة من إيدها، وبصتلي ببرود يقص العمر، وقفت وبكل قسوة قالتلي أنت بتقول إيه؟ اترفدت؟ يعني إيه مبقاش معاك فلوس؟.
قلت لها وعيني فيها رجاء أزمة وهتعدي يا فاتن، هدور على شغل جديد، بس اقفي جنبي الفترة دي.. ابيع حتة من شبكتك الألماظ نسدد بيها الديون اللي عليا لحد ما أقف على رجلي.
ضحكت ضحكة عالية كلها سخرية ومكر، وقالتلي أبيع شبكتي؟ أنت أكيد اتجننت! أنا مش واحدة من الستات بتاعة زمان اللي تقعد جنب جوزها في الفقر وتقول يامرحى بالكسرة.. أنا اتجوزت المدير الناجح صاحب السلطة والفلوس، اللي يعيشني ملكة. طالما مبقتش المدير ده، ومبقتش قادر تدفع تمن وجودي في حياتك، يبقى الحكاية دي انتهت.
وقبل ما استوعب الصدمة، كملت وهي بتمشي ناحية الأوضة تلم هدومها ورقتى تتوصل لي على بيت أهلي يا بشمهندس، وشقة الكومباوند دي مش هسيبهالك، دي مكتوبة باسمي زي ما أنا شرطت عليك قبل الجواز.. اشبع بقى بالفقر بتاعك.
خرجت ورزعت الباب وراها، وسابتني قاعد في الصالة لوحدي.. مذهول، مكسور، ومطحون بين ديون مبترحمش ومستقبل ضاع بالكامل.
بصيت حواليا في الشقة الفاضية، وفجأة، شريط حياتي كله عدى قدام عيني.. افتكرت مراتي الأولى، الست الأصيلة اللي كانت بتفرح بأقل حاجة، اللي كانت بتستحمل معايا الأيام الصعبة بابتسامة ورضا ومن غير ما تطلب فستان ولا سفرية. وافتكرت ولادي.. ولادي اللي رميتهم وحرمتهم من اللقمة والكسوة عشان أغرق واحدة تانية بالهدايا، ولادي اللي عملت لأمهم بلوك عشان مش عايز وجع دماغ.
نزلت دموعي لأول مرة من سنين، دموع قهر وندم بيحرق الصدر.. طلعت الموبايل وإيديا بترعش، ودخلت على قايمة البلوك، وشلت الحظر عن رقم طليقتي.. كنت بتموت من الخزي والكسوف من نفسي، بس مكنش قدامي غيرها. كتبت لها رسالة وصوتي طالع بالعافية مع كل حرف أنا أسف.. أنا ضعت.. والدنيا دارت عليا وخدت حقي منى تالت ومتلت.
فضلت باصص للشاشة ومستني، دقيقة.. اتنين.. عشرة ومافيش رد
اخدنى الفضول اروح شقتنا القديمه واشوف من بعيد ولادى ومراتى حالتهم ايه دلوقتي