بقلم امانى سيد

ولادى ٢

لمحة نيوز

وفي وقت شغلها في المشغل كانت علطول مطمنة عليهم، وبقت صاحبة المشغل بتعتمد عليها في كل حاجة بعد ما شافت أمانتها وشطارتها في الإدارة وتنسيق الشغل.
على الجانب التاني، في قاهرتهم القديمة، كان مجدي وأمه عايشين في قلب بركان. مجدي اللي افتكر إن الساحة فضيت له وإنه قفل على شريفة كل السكك، لقى نفسه مطلوب في النيابة بتهم تزعزع مركزه قدام أهله وناسه. التسجيلات والفلاشة اللي سابتها شريفة وراها كانت عاملة زي الحبل اللي بيتدور حوالين رقبته، كل ما يحاول يكدب أو ينكر، يواجهوه بصوته واعترافاته وهو بيتفاخر بتزوير الأحكام ورشاوي شهود الزور والابتزاز.
مجدي جاله جنون.. بقى يقلب الدنيا عليها، يدور في بيوت قرايبها، يسأل أصحابها، يروح للأماكن اللي كانت بتردد عليها، لكنه خبط دماغه في الحيط؛ شريفة فصت وملح وداب. التليفونات مقفولة، السوشيال ميديا ممسوحة، وحتى المحامية بتاعتها لما استدعاها في المحاضر، وقفت بكل برود وثقة وقالت للقاضي موكليتي بتمارس حقها القانوني في حماية نفسها وأولادها بعد التهديد الصريح بالقتل والابتزاز اللي موثق في الأحراز، ومكانها مش من حق حد يعرفه طالما ملتزمة بحضور الجلسات من خلالي.
وفي يوم من الأيام، والشمس دافية على شاطئ البحر في المحافظة الجديدة، كانت شريفة قاعدة على الرمل بتراقب عيالها وهم بيلعبوا ويجروا ورا الموج، والضحكة طالعة من قلبهم صافية من غير خوف. تليفونها الجديد رن، كانت صاحبتها المحامية.
مبروك يا شريفة.. المحكمة أصدرت حكمها النهائي والبات بسقوط الحضانة عن مجدي وأمه تماماً، وبأحقيتك الكاملة في الولاية التعليمية والضم، والقضية بتاعة التزوير اتأحلت للجنايات وبقيت هو وأمه بيدوروا على واسطة تنجدهم من الحبس.. إنتي كسبتي يا شريفة، كسبتي بالضربة القاضية.
شريفة نزلت التليفون من على ودنها، والدموع نزلت من عينيها، بس المرة دي كانت دموع فرحة ونصر غسلوا كل نقطة قهر عاشتها تحت سقف البيت الداكن داك. بصت لولادها اللي جريوا عليها وارتموا في حضنها وهم بيضحكوا والموج بيغسل رجليهم، ضمتهم لقلبها بكل قوتها، وبصت للسما وقالت بصوت مسموع الحمد لله يا رب.. الحمد لله إنك مكسرتش بخاطري، وجمعتني بيهم على حق وكرامة.
قفلت شريفة صفحة مجدي وأيامه للأبد، وبدأت تكتب بملامحها الواثقة وبضحكة عيالها السطور الأولى في كتاب حياتهم الجديدة، حياة مفيهاش ذل، ولا فيها كسرة.. فيها بس أم قوية عرفت تحمي حتة من قلبها.
دارت السنين والوقت جرى كأنه في ثانية، والمدينة الساحلية الهادية شهدت على ملحمة حقيقية بطلتها أم قررت إنها متستسلمش. شريفة مكنتش مجرد أم بتأكل وتشرب، دي كانت بتبني في عيالها حيطة حيطة، بتزرع فيهم الأصول، عزة النفس، والنجاح اللي يخليهم يبصوا للدنيا وراسهم مرفوعة فوق في السما.
المشغل الصغير اللي بدأت فيه كعاملة باليومية، بفضل ذكائها، وتعبها، وسهر الليالي، اتحول لواحد من أكبر مصانع الملابس الجاهزة في المحافظة كلها. شريفة بقت الحاجة شريفة، الاسم اللي الكل بيعمل له ألف حساب، الست بمليون راجل اللي بنت إمبراطورية من مفيش، وبقى شغلها بيتصدر لبره والمحافظ كله بييجي يفتتح خطوط الإنتاج الجديدة بتاعتها.
بس نجاح شريفة الحقيقي مكنش في الفلوس ولا في اسم المصنع.. نجاحها كان واقف قدام عينيها.
ابنها الكبير، اللي كان زمان بيترعش من صوت أبوه وجدته، كبر وبقى مهندس قد الدنيا، مخلص جامعتة بتفوق وبقى دراعها اليمين في إدارة المصانع والتطوير. وبنتها الصغيره اللي كانت بتستخبى ورا ضهرها، بقت دكتورة صيدلانية شاطرة، والكل بيحلف بأدبها وشطارتها. العيال كبروا وهم شايفين أمهم مثال للشرف، والقوة، والكفاح، فطلعت نفوسهم نضيفة وشبعانة، ومليانة حنية على الأم اللي ضحت بعمرها عشانهم.
وفي يوم من الأيام، كان فيه حفلة تكريم كبيرة في المحافظة لرجال وسيدات الأعمال المتميزين، وكانوا أولاد شريفة قاعدين في الصف الأول، لابسين أشيك ما عندهم، وعيونهم بتلمع بالفخر وهم باصين للمنصة.
لما المذيع نطق اسمها والآن مع تكريم سيدة الأعمال الأولى، رمز الكفاح والنجاح.. الحاجة شريفة. القاعة كلها اتهزت من كتر التصقيف. وقفت شريفة بوقارها وهيبتها، وعبايتها السودا الراقية، وطلعت السلم بخطوات ثابتة قوية، نفس الخطوات اللي نزلت بيها سلم الذل زمان، بس المرة دي طالعة لقمة الدنيا.
وهي بتستلم درع التكريم، عينيها جت في عين عيالها. المهندس الصغير وقف وبقى يصقف بحرقة والدكتورة عيونها دمعت من الفرحة. شريفة مسكت المايك وقالت كلمتين هزوا القاعة
النجاح ده مش بتاعي لوحدي.. النجاح ده لولادي، اللي عشانهم عفرت، وعشانهم عشت، وعشانهم دُست على أي وجع.. هما دول استثماري الحقيقي وجائزتي الكبيرة من الدنيا.
وفي نفس التوقيت ده، في زقاق ضيق في قاهرتهم القديمة، كان مجدي قاعد على قهوة بلدي، شعره شاب، وصحته اتهدت من شيل الهم، وأمه ماتت بغلها وحسرتها بعد ما المحاكم أخدت كل حاجة منهم، وفلوسهم راحت في قضايا وتعويضات. كان مجدي ماسك الجرنان في إيده بالصدفة، وعينه جت على صورة شريفة وهي بتتكرم، وجنبها عيالها، المهندس والدكتورة، ملامحهم بقت رجالة وأوانس، ناجحين وفي أعلى المراكز.
مجدي حس بسكينة بتتغرس في قلبه، دموعه نزلت وهو مش قادر حتى ينطق اسمهم. عرف في اللحظة دي إن الست اللي استقوى عليها زمان وافتكر إنه كسرها، دافعت عن لحمها بذكاء، وبنت لعياله مستقبل هو نفسه مكنش يحلم بيه.
قفلت شريفة الرواية وهي واقفة في وسط عيالها، سانده عليهم وهم ساندين عليها، بعد ما أثبتت للدنيا كلها إن اللي بيعافر بالحق والضمير والصبر، ربنا بيخليه في الآخر حاجة كبيرة أوي.. والكل بيعمله ألف حساب.

تم نسخ الرابط