بقلم امانى سيد
ولادى ٢
المحتويات
على المرتبة الصغيرة اللي على الأرض، وبصيت للسقف الضلمة. جسمي كله كان بيوجعني من التعب، وقلبي كان مفروم من الذل.. بس وأنا سامعة صوت نفس عيالي في الأوضة اللي جمبي، عرفت إني هتحمل بكرة، واللي بعد بكرة، وأي حاجة هتيجي بعد كده، مهما كان التمن غالي.
في يوم، كنت قاعدة في الصالة براجع مع ابني الصغير درس الحساب، وبضحك معاه على نكتة قالها. فجأة، خرج مجدي من أوضته على صوت ضحكتنا. وقف فوق راسنا، وحط إيديه في جيبه، وبصلي بنظرة كلها برود وقسوة وقال
جرى إيه يا شريفة؟ أنا شايفك واخدة على الوضع أوي وبقيتي بتضحكي وتفرفشي.. إنتي نسيتي نفسك ونسيتي شروط قعدتك هنا ولا إيه؟
الضحكة هربت من وشي في ثانية، وبصيت في الأرض وأنا ببلع ريقي. ابني اتخض وخاف، ولم كشكوله وقرب مني وهو بيترعش.
كمل مجدي بصوت واطي ومخيف وهو بيميل عليا
اللعب والضحك ده مش ليكي، إنتي هنا عشان تخدمي وبس، والعيال دول ليهم أب وأهل يربوهم، مش عايز أشوفك قاعدة معاهم القاعدة دي تاني.. قومي فزي شوفي أمي عايزة إيه في المطبخ، ويلا يا واد إنت وهو على أوضتكم مش عايز أشوف وشكم في الصالة.
العيال جريوا على جوه وهم مرعوبين. قمت وقفت، وجسمي كله بيترعش من قهر ملوش آخر. بصيتله، ولأول مرة من يوم ما رجعت، طلعت مني كلمة مكنتش قادرة أكتمها
حرام عليك يا مجدي.. أنا بعمل كل اللي بتقولوا عليه ومن غير ولا نفس، مستخسر فيا حتى الضحكة في وش عيالي؟ اتقي الله، دي القسوة دي ميرضاش بيها ربنا.
ملامحه اتغيرت وفجأة ضيق عينيه وخطى خطوة سريعة ناحيتي، ورفع صباعه في وشي بتهديد صريح
صوتك ميعلاش في البيت ده، وإلا وقسماً بالله العظيم أرميكِ بره الشارع في دقيقتك دي، وأخلي المأذون يطلقك طلقة تالتة مفيهاش رجوع، وساعتها مش هتشوفيهم لا بورقة ولا بغيره.. هترجعي لطوعك وتخرسي، ولا لسه فيكي حيل تعافري وتجربي قسوتي بجد؟
النَفَس ضاق في صدري، وحسيت بالحيطان بتقفل عليا. بصيت لِباب أوضة العيال اللي كان موارب، وشوفت عينيهم الصغيرة وهي بتبص عليا من ورا الباب برعب وخوف من إن أمهم تمشي وتسبهم تاني.
نزلت عيني في الأرض، وكتمت غيظي وقهرتي وسكت. لفيت ضهري ومشيت ناحية المطبخ بخطوات مكسورة، وأنا بقول لنفسي استحملي يا شريفة.. عشان خاطرهم لازم تستحملي، مفيش فايدة من العفرة مع حد معندوش قلب.
مرت الأسابيع الأولى بعد جلسات التحقيق وصدر قرار التمكين، لكن شريفة كانت عارفة كويس إن قعدة المحاكم بتطول، وإن واحد بنذالة مجدي وغِل أمه مش هيسكتوا، وممكن في أي لحظة يلعبوا لعبة جديدة أو يحاولوا يخطفوا العيال من قدام المدرسة عشان يلووا دراعها من تاني. الحيطان في القهوة والشارع والمنطقة كلها بقت بتفكرها بالوجع، وعيون الناس وكلامهم مبيخلصش. ومن هنا، أخدت شريفة قرارها الأخير عشان تقفل الصفحة دي بالضبة والمفتاح هتمشي، وتبعد، وتبدأ من جديد في مكان محدش يعرفهم فيه.
لمت شريفة حاجتها وحاجة عيالها في كام شنطة، المرة دي مكنتش شنطة سجن وذل، دي كانت شنطة العمر الجديد. ودعت صاحبتها المحامية اللي أمنتلها كل الإجراءات القانونية اللي تضمن سلامتها وسلامة العيال، وركبت القطر المتجه لمحافظة تانية بعيدة، محافظة ساحلية هادية، ملامحها مفيهاش أي أثر لمجدي أو لأيامه السودة.
طول طريق السفر، وعينيها على عيالها السرحانين في الطريق من شباك القطر، كانت شريفة بتنفذ خطة العزل الكامل. أول حاجة عملتها، طلعت خطوط التليفونات القديمة كلها من الموبايلات، وبكل قوة رميتها من الشباك، كأنها بترميهم هما وأيامهم في الهوا. اشترت خطوط جديدة بأسماء مالهاش علاقة ببياناتها القديمة، وقفلت كل حسابات السوشيال ميديا اللي ممكن حد يتتبعها منها أو يوصل لمكانها من خلالها. حتى شغلها وعلاقاتها القديمة، قطعت خطوطها تماماً ومبقاش معاها غير رقم صديقتها المحامية بس، للاطمئنان على سير القضية من بعيد لبعيد.
وصلت المحافظة الجديدة مع أول خيوط الشمس. الهوا هناك كان مختلف، هوا نضيف مفيش فيه ريحة قهر. أجرّت شقة صغيرة وبسيطة في حي هادي وناسه طيبين في حالهم. وفي خلال أيام، نزلت بنفسها وقدمت لورق نقل العيال في مدرسة جديدة، ونبهت على الإدارة هناك بتقديم صورة من قرار الحماية الرسمي محدش يستلم العيال غيري أنا بشخصي.
بدأت شريفة تدور على شغل جديد يناسبها، وفعلاً لقت فرصة في مشغل ملابس كبير وبدأت تثبت نفسها فيه بسرعة بفضل ذكائها وتفانيها.
وفي ليلة، بعد ما العيال ناموا في أوضتهم الجديدة والأمان مالي وشوشهم، وقفت شريفة في بلكونة الشقة، وبصت للبحر الواسع قدامها وأخدت نَفَس طويل أوي، نَفَس كان محبوس في صدرها بقاله سنين. ابتسمت ودمعة دافية نزلت على خدها، بس المرة دي مكنتش دمعة كسرة.. دي كانت دمعة شكر لربنا اللي قواها. مسحتها وقالت لنفسها بثقة خلاص يا شريفة.. الطريق اتقطع، والماضي اترمى ورا الضهر، والنهاردة بيبدأ عمرك الحقيقي إنتي وولادك.
دارت الأيام في المحافظة الجديدة، والهدوء اللي عاشته شريفة مع عيالها مكنش مجرد راحة، ده كان بداية لترميم كل حاجة انكسرت جواهم. العيال بدؤوا ينتظموا في مدرستهم الجديدة، وضحكتهم اللي كانت غايبة ورا الخوف رجعت تملى البيت الصغير من تاني. شريفة مكنتش بتسيبهم دقيقة، توديهم المدرسة وتجيبهم،
متابعة القراءة