بقلم امانى سيد

ولادى ٢

لمحة نيوز

مسحت دموعي بسرعة بكم عبايتي لما سمعت صوت خبط كعب حماتي وهي بتقرب من المطبخ. حاولت أتحكم في شهقاتي وأبلع ريقي الناشف، وقفت قدام الرخامة وبدأت أطلع الحاجه اللي سيباها ليا.. كوم مواعين، وخضار عايز يتنظف، وطلبات م تخلصش، كأنهم كانوا مستنيين الخدامة توشك على الوصول عشان يبدأوا يعيشوا حياتهم.
كنت بشتغل وإيديا بترتعش، وكل شوية عيني تروح على باب المطبخ المفتوح، وداني متعلقة بأي صوت يجي من الأوضة الجوانية. فجأة.. سمعت صوت باب الأوضة بيتفتح، وصوت خطوات صغيرة وناعمة على الأرض. قلبي دق بسرعة جنونية، لدرجة حسيت إنه هيقف.
ماما؟
الكلمة طلعت صغيرة، مهزوزة، كأن صاحبها مش مصدق عينيه. لفيت بسرعة، المواعين وقعت من إيدي في الحوض وعملت دوشة، وبصيت ناحية الباب.. كانوا هما. واقفين على عتبة المطبخ، ملامحهم الواحشاني، عينيهم اللي كنت بشوفها في أحلامي كل ليلة.
رميت كل حاجة من إيدي وجريت عليهم، رميت نفسي على الأرض وبقيت في مستواهم، فتحت دراعاتي والدموع نزلت شلالات مكنتش قادرة أوقفها. هما كمان جريوا عليا، اترمو في حضني وكل واحد فيهم بيتشعلق في رقبتي وبيعيط.
وحشتيني أوي يا ماما.. إنتي كنتِ فين؟ بابا قالنا إنك مش هتيجي تاني.
أنا هنا يا قلب ماما.. أنا معاكم أهو، مش هسيبكم تاني أبداً، والله ما هسيبكم.
كنت بشم ريحتهم، ببوس كل حتة في وشوشهم وأياديهم الصغيرة، بضمهم لحضني بكل قوتي كأني عايزة أدخلهم جوه ضلوعي عشان محدش يقدر ياخدهم مني تاني. في اللحظة دي، ورغم الوجع والذل والكسرة، حسيت إن روحي ردت فيا، وإن نار قلبي اللي كانت قايدة بقالها شهور بدأت تهدى شوية.
لكن الفرحة مش مكتوب لها تدوم في البيت ده.
صوت حماتي جه زي الكرباج من ورايا، وهي بتزعق وتشد العيال من حضني بقسوة
جرى إيه يا هانم؟ إحنا جايبينك هنا تندبي وتعيطي وتعطلي العيال وتنسي الشغل اللي وراكِ؟ قسماً بالله لو ما قمتي دلوقتي تشوفي الأكل اللي على النار، لأخلي ابنى يرميكِ بره بالورقة والقلم اللي لسه مامضية دي، وماتلمحيش ضلهم تاني!
العيال اتخضوا ورجعوا لورا وهم خايفين وبيبصوا لمجدة برعب. بصيتلها والغل مالي عينيها، وبصيت لولادي اللي انكمشوا في جنب.. بلعت كرامتي للمرة الألف، وقفت على رجلي وأنا كلي كسرة، وقولت بصوت واطي ومخنوق
حاضر.. حاضر، داخلة المطبخ أهو.
بصيت لولادي نظرة أخيرة بطمنهم بيها، ودخلت المطبخ وأنا عارفة إن دي مجرد البداية لطريق طويل من العذاب.. بس عشان خاطرهم، هتحمل أي حاجة
.قعدت على ركبي في أرض المطبخ بلم حتت المواعين اللي وقعت، وبحاول ألم معاها شتات نفسي. عيالي بره، بيني وبينهم حيطة واحدة، وسامعة صوت حماتي وهي بتزعق فيهم وتجبرهم يدخلوا أوضتهم عشان ميقفوش في طريق الست هانم وهي بتشتغل. كل كلمة منها كانت بتنزل على قلبي زي مية النار، بس كنت بكتم صرختي جوه صدري. عرفت ساعتها إن تمن وجودي جنبهم مش بس إني أكون خدامة، التمن الحقيقي هو إني أشوفهم بيتوجعوا ومقدرش أدافع عنهم، عشان لو اتكلمت.. الباب جاهز يترمي في وشي تاني.
عدت الساعات وأنا واقفة على رجلي مش حاسة بيها. طبخت، وغسلت، ورتبت السفرة زي ما هما عايزين بالظبط. على المغرب، بدأ عمام الولاد يوصلوا. كنت سامعة صوت ضحكهم بره، وصوت طليقي وهو بيتكلم بفخر وكأنه انتصر في معركة حربية، وبيرد على مباركتهم ب الحمد لله، عرفت أربيها وأرجعها لطوعي من تاني.
طلعت بالصواني وأنا حاطة عيني في الأرض، مش عايزة أبص في وش حد فيهم. حماتي كانت قاعدة تتأمر عليا قدامهم
هاتي المية يا بت.. شوفي عمك فلان ناقصه إيه.. اغرفي الشوربة دي بردت.
كنت بنفذ كل حاجة وأنا زي الآلة، مفيش في وشي أي تعبير. لحد ما عيني جت في عين طليقي؛ كان قاعد على رأس السفرة، بيبصلي بنظرة شماتة صافية، عينيه بتقولي شفتي أخرة عفرتك إيه؟.
خلص العشا، ودخلت المطبخ تاني عشان أكمل كوم المواعين اللي مبينتهيش. الشقة هديت والضيوف مشيوا، وحسيت إن البيت بقى كئيب وتقيل. دخلت حماتي المطبخ، رمت فوطة وسخة على الرخامة وقالت ببرود
خلصي اللي في إيدك ده، وامسحي الصالة مطرح الناس، وبعدين تعالي خدي فرشتك عشان تنامي في الأوضة الصغيرة اللي جمب المطبخ.. إنتي عارفة طبعاً إنك مالكيش مكان في أوضة ابني، إنتي هنا بصفة تانية خالص.
هزيت راسي من غير ولا كلمة. مشيت من قدامي وهي بتتحرطم بكلام مش مفهوم.
على نص الليل، الشقة كلها ضلمت ونامت. خلصت كل حاجة، ومسحت الصالة في الضلمة وأنا بمسح معاها دموعي. مشيت براحة وعلى طراطيف صوابعي لحد أوضة ولادي. فتحت الباب براحة أوي عشان ميعملش صوت.
كانوا نايمين.. شكلهم زي الملايكة في الضلمة. قربت منهم، قعدت على طرف السرير، ووطيت راسي أشم ريحتهم وأبوس جبينهم واحد واحد. دمعة سخنة نزلت مني على وش ابني الصغير، فتح عينه نص فتحة وشافني، ابتسم بضعف وهمس وهو بيقفل عينه تاني
إنتي هنا بجد يا ماما؟ مش حلم؟
نزلت لمستواه وهمست في ودنه وصوتي مخنوق
هنا يا قلب ماما.. جمبك ومش هسيبك، نام يا حبيبي نام.
طبطبت عليه لحد ما غرق في النوم تاني. قمت وخرجت من الأوضة، ورحت على الأوضة الصغيرة اللي جمب المطبخ. رميت جسمي التعبان

تم نسخ الرابط