بقلم امانى سيد
غرفه العمليات ٢
بناتي. طلعت من المستشفى جسدياً، بس روحي فضلت محبوسة في اللحظة اللي نطقت فيها كلمات الوصية، وبدأت أعيش الموت الحقيقي.. الموت اللي مفيش بعده رجوع.
مرت الأيام والأسابيع وأنا مكسور، عايش في بيت بقى شبه المتاهة، جدرانه بتفكرني بكل لحظة غلطتها. كنت بحاول أصلح اللي انكسر، بحاول أفتح كلام مع سمر، بس كانت بتتعامل معايا بحدود ضيقة، حدود أب لبناتها مش شريك حياة.
في يوم، لقيتها واقفة قدامي، ملامحها هادية بس فيها حزم مفيش بعده رجوع. قالتلي من غير مقدمات أحمد، الموضوع مش محتاج وقت أكتر من كدة. الطلاق مش بس عشان اللي عملته، الطلاق عشان أنا مبقتش شايفة الراجل اللي عرفته زمان. الثقة لما بتتهز من الجذور، مفيش قوة في الأرض تقدر ترجعها.
حاولت أرد، أقولها إني غلطت وندمان، إن الدنيا كانت ضيقة في عيني، بس قاطعتني ببرود أنت كنت بتفكر في الوصية، وأنا كنت بفكر في العمر. أنت عشت حياتك في صمت وخوف، وأنا قررت أعيش حياتي بوضوح..
سكتت، وقفت أبص لها وللبيت اللي كنت فاكره مملكتي. لقيت نفسي غصب عني بسأل والبنات؟ هتفهميهم إيه؟
بصتلي وعيونها لمعت بوجع مكتوم هقولهم الحقيقة.. الحقيقة اللي أنت قولتها بلسانك في وقت ضعفك، الحقيقة اللي خلتني أشوف إنك كنت بتوزع أماناتك وناسي إننا أمانة أكبر. البنات كبروا يا أحمد، وهما شافوا بعينهم وشعروا بقلبهم، مش محتاجين تفسير.
في اللحظة دي، أدركت إن الوصية اللي كنت فاكرها بتحمي ابني، كانت بتكشف لي إن حياتي السابقة كانت قايمة على خيوط واهية. خرجت من البيت، وقفت في الشارع، والهدوء اللي حواليا كان بيصرخ في وداني. مشيت من غير وجهة، عارف إن الطلاق ده مش مجرد ورقة، ده نهاية عالم كامل بنيته بدمي وعرقي، وبإيدي اللي خفت من الموت، دمرت كل حاجة كانت بتديني معنى للحياة.
وقفت قدام باب شقتي، اتأملت آخر لحظة ليّ فيه، وبدأت أدرك إن الندم مهما كان كبير، مش هيرجع اللي راح.. وإن الوصية الوحيدة
وقعت ورقة الطلاق، وكان صوت القلم على الورق زي صوت مقص بتقطع آخر رابط كان بيني وبين عمري اللي فات. سمر مشيت بهدوءها المعتاد، خدت البنات واختفت، وكأنها ما كانتش في يوم من الأيام شريكة عمري.
بدأت صفحة جديدة في بيت تاني، مع مراتي التانية وابني اللي كنت بدعي إني بضحي عشانهم. لقيت نفسي في بيت هادي، فيه كل احتياجاتي المادية، بس كان بيت مش حياة. مراتي الجديدة كانت بتعمل اللي عليها، بتطبخ، بتنظف، وبتهتم بالولد، بس كان فيه حاجة ناقصة.. حاجة مكنتش قادرة تملأ الفراغ اللي سابته سمر.
بينما أنا قاعد على الكنبة، بشرب الشاي، كنت بفتكر سمر وهي بتقدمهولي بابتسامة، بفتكر نظرة البنات وهما بيجروا عليا أول ما أدخل البيت، بفتكر الدفا اللي كان بيغمرني حتى في عز أزماتنا. مراتي الجديدة كانت ست كويسة، بس الحنان اللي
كنت بفضل قاعد ساعات طويلة باصص للحيطان، خيالات سمر وبناتي بتطاردني في كل ركن. ابني الصغير بيجي يقعد جنبي، بضمه، بحاول أحبه، بحاول أعيش الدور اللي رسمته لنفسي، بس قلبي كان في مكان تاني خالص.. كان في البيت اللي دمرته باعترافي.
كل ما أحاول أقرب من مراتي الجديدة، ألاقي نفسي ببعد، بقارن بينها وبين سمر في كل تفصيلة صغيرة. هي مش سمر، وعمرها ما هتكون سمر. لقيت نفسي غريب في بيتي الجديد، سجين لندمي، وعايش جسد بس، أما روحي فكانت لسه معلقة في بيت سمر اللي بقيت غريب عنه للأبد.
اكتشفت إن الوصية اللي كنت فاكر إنها هتريحني، كانت لعنة بتبتسم في وشي كل يوم، بتفكرني إني ضحيت بالدهب عشان أعيش مع النحاس، وإني مهما حاولت أهرب من الحقيقة، الحقيقة هي إني خسرت كل حاجة عشان سر كان المفروض يفضل مدفون.
انا نسيتهم فى اخر لحظاتى وهما