كامله
ضرتى بتعامل اولادى
سلوى حاولت تبرر موقفها، وبدأت تتكلم بصوت أعلى شوية عشان تقنع الناس: “ده كلام أطفال بيفهموا الأمور بطريقتهم الخاصة! أنا بحبهم زي ما بحب عيالي، والله ما فرقت بينهم أبداً. بس أنا خايفة عليهم، خايفة يكسروا الأشياء الغالية، أو يأكلوا أشياء تضرهم، فبقول لهم الكلام ده عشان مصلحتهم، مش عشان أفرق بينهم!”
لكن حماتي، اللي كانت لسه مصدومة، قاطعتها بهدوء وحزم، وقالت: “لا يا سلوى، اللي بتقوليه مش منطقي. الخوف مش بيخليك تحسي الطفل إنه غريب، ولا إن البيت مش بيته. لو كان الأمر كده، كان الكلام عام ومش موجه لهم بس. الطفل عمره ما يكذب، وكلامه واضح، وبيشوفه بعينه كل يوم.”
وبدأت نادية، بنت عم جوزي، تتكلم بهدوء وصراحة قدام الكل: “في الحقيقة، أنا كنت لاحظت كده من فترة طويلة. كل مرة نيجي نزوركم، بنشوف إن الأكل الحلو، والهدايا الغالية، والألعاب الجديدة، كلها بتكون موجودة لولادك، وهم بيتعاملوا معاملة ضيوف بييجوا ويتعشوا ويمشوا، مش إخوة لهم نفس الحقوق. وكنت بقول في نفسي: ليه كده؟ لكن ما حبيت أتكلم عشان ما أسبب مشاكل.”
وكمل عم سيد، عم جوزي الأكبر، كلامه بجدية: “والأصعب من كده إن ده بيحصل قدامنا، قدام الناس، فما بالك بيعملوا إيه معاهم لما يكونوا لوحدهم؟ الطفل لما يحس إنه مش مرتاح، ومش آمن، بيحس بالفرق حتى لو ما تكلمش، ولما يتكلم بيقول الحقيقة الصافية اللي مش مغطاة بكلام معسول.”
وش سلوى بقي أحمر من الخجل والغضب، وعرفت إن القناع اللي كانت بتلبسه قدام الناس انكسر تماماً، وإن كل الحضور عرفوا الحقيقة اللي كانت بتحاول تخبيها لفترة طويلة.
جوزي كمال، قام من مكانه ببطء، وكان واضح عليه إنه متأثر جداً ومصدوم، وقرب من عمر، وحط إيده
هز عمر رأسه بثقة، وقال: “أيوة يا بابا، أنا مش بحب أتكلم عشان ما أزعلك، ولا أسبب مشاكل، بس لما قالت تيتة إننا كلنا واحد، حبيت أقول الحقيقة عشان تعرفوا إيه اللي بيحصل.”
التفت كمال فوراً لسلوى، وبصلها بنظرة ما شفتهاش من قبل، نظرة فيها خيبة أمل كبيرة، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل قوة كبيرة: “يعني كل الكلام اللي كنتي بتقوليه لي في البيت، وإنك بتعامليهم زي أولادك، وإنك مش بفرقي بينهم، ده كان مجرد كلام؟ وإنهم في الحقيقة مش حاسين بالأمان، ولا بالانتماء، وبيحسوا إنهم ضيوف في بيتي أنا؟”
حاولت سلوى ترد عليه، وقالت: “كمال، أرجوك افهمني، هم عندهم بيت آخر، وأمهم، وطبيعي إنهم يحسوا كده، وده مش معناه إني بكرههم أو بظلمهم!”
وقمت أنا وقتها، وبصيت لها بهدوء وثبات، وقلت بصوت واضح يسمعه كل الموجودين: “البيت اللي بتتكلمي عنه هو بيتي أنا، ومكان إقامتي، لكن البيت ده هو بيت أبوهم، وده حق طبيعي لهم، مفيش حد يقدر ينكره. هم مش ضيوف، هم أصحاب أصل في هذا المكان، وإنك تحسيهم كده، ده خطأ كبير جداً، وبيؤذي مشاعرهم بطرق مش ممكن نحسبها.”
التفت جوزي للكل، وقال بصوت عالي عشان يسمعه الجميع: “أنا كنت غافل، أو بالأصح كنت عايز أصدق إن كل شيء تمام، وإن الحياة هادية، ومش عايز أشوف العيوب عشان ما نختلف. لكن كلام ابني فتح عيني، وخلاني أشوف الحقيقة بوضوح. لو كانوا بيحسوا بالراحة، وبالمساواة، ما كانش عمر قال الكلام ده قدام الناس كلها، ولا كان بيحس إنه محتاج يشرح موقفه.”
قرب مرة أخرى من عمر،
سكتت سلوى، ونزلت رأسها، وعرفت إن موقفها أصبح ضعيفاً جداً، وإن الكل عرف حقيقتها. بدأت تتكلم بصوت منخفض مليان ندم حقيقي شوية وشوية غضب مكتوم: “أنا مش أنكر إني كنت بحس إنهم غريبين شوية، وإن أولادي هم الأقرب لي، وكنت خايفة إنهم ياخدوا مكانهم، أو يأخذوا شيء من حقهم. كنت فاكرة إنني بحميهم، ومش عارفة إنني بظلم غيرهم، وإن ده بيأذي مشاعرهم.”
ردت عليها حماتي بحكمة، وقالت: “يا بنتي، المحبة مش بتعني إنك تكرهي أو تظلمي غيرك. العدل هو أساس كل شيء، وإنك تعاملي كل الأبناء بالمساواة، ده مش واجب ديني واجتماعي بس، ده واجب إنساني عشان نربي أجيال سليمة. الأولاد مش بيفهموا الكلام، هم بيفهموا الأفعال، وبيلاحظوا الفرق في النظرة، والكلام، والمعاملة.”
مرت الدقائق بطيئة، والجو كان مليان بالجدية والتفكير. بعد شوية، طلب جوزي من الأقارب إنهم يتفضلوا بالجلوس، وإن الموضوع خلص، لكنه واضح للجميع إن الأمور مش هترجع زي ما كانت قبل كده.
لما خلصت العزومة وبدأ الناس يمشوا، بقيت أنا وكمال وسلوى وحماتي والأولاد في الصالة. كمال وقف قدام سلوى وقال بصراحة: “من اليوم ده، مفيش فرق بين أي طفل من أولادي. الأكل، والملابس، والهدايا، والألعاب، كل شيء يكون بالتساوي. الألعاب بتكون في مكان عام، ومفيش قفل عليها، والأكل اللي بيحبه الكل بيكون متاح للجميع. وأي كلام بيحس أي طفل إنه مختلف، مش هيتقال تاني أبداً. فاهمة؟”
سلوى هزت رأسها، وقالت بصوت واطي: “فاهمة، وسأحاول أغير
مرت الأيام، وبدأت تتضح النتائج. جوزي كان فعلاً جاداً في كلامه. قام بشراء ألعاب جديدة، ووضحها في مكان واسع في الصالة، وقال بوضوح: “ده لكل الأطفال، ملك لكم جميعاً، كل واحد يلعب زي ما يحب.” كان يجيب هدايا متساوية تماماً لكل طفل، ويجلس معاهم جميعاً ويلعب معاهم، ويسألهم عن دراستهم، ويهتم بكل تفاصيلهم حكايات بسمه
سلوى في البداية كانت بتعامل ببرود، وبتحس إنها مجبرة على الشيء ده، لكن مع الوقت، وبتوجيهات حماتي، وبتصرفات جوزي الحازمة، بدأت تتغير. لاحظت إن عمر وأخته بدأوا يرتاحوا، وبدأت الابتسامة ترجع لوجوههم، وبدأت يلعبوا مع أولادها بكل حرية وخوف. بدأت تحس إن المعاملة الطيبة والمساواة بتجلب الراحة والهدوء للبيت كله.
مرة من المرات، شافت عمر بيساعد ابنها الأصغر في تركيب لعبة صعبة، وضحكوا مع بعض، وحست بشيء دافئ في قلبها، وعرفت إن الخوف اللي كان في قلبها كان بلا داعي، وإن المحبة ممكن تتسع لأكثر من طفل.
كبر الأطفال، وبدأوا يفهموا الدنيا أكتر، لكنهم كانوا متآخين، وبيحبوا بعض، وبيحسوا إنهم عيلة واحدة. وعمر كان دايماً بيقول لي: “ماما، أنا مبسوط دلوقتي، وبحس إن لي بيتين، وكل بيت لي مكان فيه.”
أما أنا، فكنت عارفة إن الحق طلع، وإن الصدق حتى لو جاء من فم طفل صغير، أقوى من أي كلام معسول، وأي قناع زائف. وعرفت إن الطفل بيشعر بالفرق حتى لو ما تكلمش، وإن في يوم من الأيام، الحقيقة لازم تظهر، ولو بعد حين.
وظلت الجملة اللي قالها عمر محفورة في ذاكرة العائلة كلها، كدرس وعبرة: “لو إحنا كلنا واحد، ليه في فرق؟”، وخلت الكل يتعلم إن المساواة مش مجرد شعار بنقوله قدام الناس، بل هي فعل حقيقي، وشعور صادق
تمت