بقلم امانى سيد

اول يوم العيد

لمحة نيوز

 واتنتر من مكانه زي الملبوس. ولا بص في وشي، ولا سألني كنت فين، أخد بعضه ونزل جرى على السلم بلهفة ورعب، وهو بينادي على أمه بصوت مخنوق.
أنا وقفت في مكاني للحظة، قلبي دق دقة سريعة، بس مسكت أعصابي. بصيت لولادي اللي كانوا خايفين من صوته، وأخدتهم في حضني وقلت لهم بصوت واطي ومطمن مفيش حاجة يا حبايبي، تعالوا ندخل أوضتنا.
دخلت غيرت هدومي أنا والولاد، ولبسنا لبس البيت المريح، ولا كأن في أي حاجة حصلت بره. شغلت التليفزيون على قناة كرتون، وقعدت وسط ولادي، بنأكل فاكهة وبنضحك، وكأن جدران الشقة دي بقت حصن بيفصلنا عن كل الدراما والسم اللي بيحصل بره.
ساعة مرت، وساعتين، وأصوات الدوشة والهرج والمرج طالعة من تحت، وجوزي مبيطلش طالع نازل بصوت عالي، وأنا ولا في بالي. كنت مستمتعة بهدوء بيتي لأول مرة من سنين
فضولى أخدني، قمت من قدام التليفزيون وخرجت البلكونة عشان أشم شوية هوا، وبمجرد ما بصيت على تحت، لقيت الشارع مقلوب والناس متجمعة كأنهم في مسرح، والشقة تحت شقتي مباشرة بقت ساحة معركة.
سلايفي، اللي كانوا من كام ساعة بيضحكوا وبيصوروا وبياكلوا، دلوقتي شعرهم منكوش وصوت خناقهم واصل لآخر الشارع، وكله

بيرمي التهم على بعضه، وواضح إن العجل اللي ذبحوه وبنوا عليه سعادتهم كان هو نفسه سبب الخناقة الكبيرة. جوزي كان واقف في النص بيحاول يهديهم، بس صوته كان بيضيع وسط زعيقهم.
وفجأة، وسط الدوشة دي كلها، عينه اتعلقت بيا، يمكن كان بيدور على أي حد يسنده أو يمكن كان متوقع يشوفني قاعدة ببكي من القهر زي كل مرة. بس المرة دي، شاف حاجة تانية خالص.
لقاني واقفة في البلكونة بكل هدوء، ربعت إيدي وبصيت عليهم كأني بتفرج على فيلم دراما بتابع أحداثه بتركيز، ومستنية أشوف العقدة هتتحل إزاي، ومين فيهم اللي هيغلب التاني. ملامحي كانت خالية من أي شفقة، خالية من أي استعطاف، ولا حتى حزن.
نظرة عيني ليه كانت نظرة الغريب اللي بيشوف عيوب الناس وبيتفرج ببرود، ومن غير ما أنطق بكلمة، النظرة دي كانت أقوى من ألف رد. جوزي سكت فجأة، ووشه اتغير؛ ملامح الغضب اللي كان شايلها ليا اتحولت لذهول وصدمة، وكأن الست اللي كان فاكرها ضعيفة ومكسورة، وفجأة اتغيرت وبقت قوية لدرجة إنها مش شايفة وجعهم، ولا حاسه بيهم.
حسيت بإنكساره في اللحظة دي، ولأول مرة، كنت أنا اللي ماسكة خيوط اللعبة، هما اللي غرقانين في مشاكلهم وأنا بتفرج عليهم من بعيد،
وبكل هدوء دخلت جوه وقفلت باب البلكونة، ورجعت كملت سهرتي مع ولادي، وكأني لا شوفت ولا سمعت أي حاجة.
معداش وقت طويل، وسمعت صوت خبط عنيف على باب شقتنا. فتحت الباب، لقيت جوزي واقف وشكله مبهدل، وريحته عبارة عن خليط من زعل ونرفزة، وعرق، وريحة حاجة معفنة. بص لي وقال بصوت آمر، بس فيه نبرة ضعف مخفية انزلي بسرعة، الدنيا تحت بايظة خالص، حد من العيال ساب باب الديب فريزر مفتوح واللحمة كلها فسدت وريحتها بقت لا تطاق، الشقة مش قادرة تتنفس، انزلي نضفي معاهم.. الست الشاطرة بتبان في المواقف دي.
بصيت له ببرود، ومن غير ما يتحرك لي رمش، ورجعت خطوة لورا وربعّت إيدي، وقلت له بهدوء وثبات أنا مش شغال عندهم، ولا أنا مسؤولة عن إهمالهم. البيت اللي مكنتش موجودة فيه وأنا بجهز اللحمة وأولادي محرومين منها، مش مسؤولة إني أشيل قذارته.
اتصدم من ردي، ولسه هيفتح بوقه عشان يزعق، كملت كلامي بنفس النبرة الهادية أنا يومي خلص، وأولادي نايمين، ومش هنزل ألم وساخة حد ولا أصلح غلطة مش غلطتي. العيد كان للعيلة، والبيت بيتهم، خليهم هما اللي ينضفوه زي ما عرفوا يشاركوا في العجل لوحدهم.
بص لي بذهول وكأني شخص تاني غير الست اللي
كان بيأمرها وتنفذ، وبدون ما أسمح له بأي فرصة للجدال أو الإهانة، قفلت الباب في وشه بهدوء ورجعت كملت قعدتي مع ولادي.
من ورا الباب سمعته بيزعق بقلة حيلة، بس المرة دي زعيقه مأثرش فيا، لأني عرفت أخيراً إن قيمتي مش بتحددها نظرتهم ليا، ولا إنجازاتي في خدمتهم،
فجأة، ووسط ما أنا قاعدة في هدوء، سمعت صوت دبدبة رجلين طالعة على السلم بعنف، وخبط جنوني على باب شقتي. فتحت، لقيتها هي.. حماتي، وجهها محتقن بالدم، وشعرها منكوش، وهدومها متبهدلة من آثار اليوم الطويل.
من غير ما تستنى حتى أقول اتفضلي، زقتني ودخلت الصالة بعينين بتطلع نار وقالت بصوت عالي بيزلزل البيت أدي أخرة اللي بيتعمل فيه الخير! الشقة تحت بقت ريحتها جيفة، واللحمة كلها باظت، وكل ده بسببك إنتي! عينك اللي مابترحمشي، ونظراتك اللي بصلتنا من فوق في البلكونة هي اللي خربت يومنا ودعت علينا!
وقفت قدامها، لا خايفة ولا مهزوزة، وهي كملت بصراخ انزلي حالا! انزلي نضفي لوحدك! إحنا اتهدينا طول اليوم في الدبيح واللف عشان نوزع اللحمة، وإنتي قاعدة هنا حاطة رجل على رجل بتتفرجي علينا وبتشفي غليلك فينا.. اتحملي مسؤولية حقدك وادخلي نضفي المهزلة اللي إنتي
السبب فيها!

تم نسخ الرابط