بقلم امانى سيد

داخله عيد ٢

لمحة نيوز

 أنت اللي اتصرفت من ورا ضهري، أنت اللي تدبر نفسك.
بص لي بذهول، كان متخيل إني ممكن ألين بمجرد ما يفتح سيرة الاستلاف من أهله، بس هو ما كانش عارف إن السكينة اللي في قلبي خلتني أشوف الأمور بوضوح، وشافت إنه لسه بيحاول يهرب من المسؤولية برمي الكرة في ملعب أهله، بدل ما يواجه هو نتيجة غلطه.
خرج من عندي وهو في حالة تشتت، وراح لأمه وهو بيجر أذيال الخيبة، محمل بالأمل الأخير إنها تفهمه وتساعده يرجعني. دخل عليها، وحكى لها اللي حصل، وطلب منها المبلغ اللي أخدته عشان يجبر بخاطر أخته، عشان يرجعه لي وأنا أرضى أرجع.
بصت له أمه ببرود، وقالت بصوت حاد استلف؟ تستلف إيه يا ابني؟ الفلوس دي راحت في صلة الرحم، وأختك كانت محتاجة، والفلوس اللي بتدخل بيت الأم مابترجعش تاني. وبعدين أنت جاي تطلب مني فلوس عشان مراتك؟ دي اللي سابت البيت ومشيَت؟ خليها تتربى!
في اللحظة دي، نزل الكلام على حمزة زي الصاعقة. لأول مرة، قناع البر اللي كان مداري بيه كل حاجة اتكسر. بص لأمه، وشاف لأول مرة الأنانية اللي كان بيبررها سنين، وشاف إنها فعلاً مش شايفة غير مصلحة بنتها، وهو بالنسبة لها مجرد مصدر دخل.
وقف وبص لها بعينين مكسورة بس فيها لمعة تمرد، وقال لها بصوت رجولي حازم بما إن الفلوس راحت ومافيش حل، فأنا عرفت دلوقتي مين اللي بيحبني ومين اللي بيحب جيبي. اسمعي يا

أمي، المصروف الشهري اللي كنت ببعتهولك من ورا مراتي، ده هيتوقف من الشهر ده. بيتي أولى بيه، وعيالي أولى بالقرش ده. معاشك بيكفيكي، واللي فات من دعمي ليكي ولأختي كفاية أوي.. أنا من هنا ورايح هصرف نفسي وأبني بيتي اللي هدمته بإيدي عشان أرضيكم.
صدمة أمه كانت واضحة على وشها، فتحت بقها من الذهول وكأنها مش مصدقة إن الابن المطيع اللي كان بيديها كل حاجة من ورا مراته، واقف دلوقتي بيحط حد لكل ده. ملامحها اتغيرت من الكبرياء للغضب، بس حمزة ما استناش رد، سابها وخرج.. ولأول مرة، كان حاسس إنه راجل قرر يصحح مساره،
خرج حمزة من بيت أمه وهو بيغلي من جوه، مش بس من رد فعلها، لكن من إدراكه المتأخر لحجم الغلط اللي ارتكبه في حقي وفي حق بيته. مشي في الشوارع التايهة، لحد ما وقف قدام بيت صاحبه المقرب، سيد، الشخص الوحيد اللي كان بيثق في رأيه.
دخل عليه، ومن غير مقدمات، حكى له كل اللي حصل، حكى له عن غالية اللي سابت البيت، وعن أمه اللي خذلته، وعن المبلغ اللي راح في العزومات. بص لصاحبه بضعف وقال أنا لازم أرجعها يا سيد، والفلوس دي لازم ترجع، بس مش عارف أتصرف.
سيد، بعد ما سمع القصة، رتب له الخطة اسمع يا حمزة، احنا زمايل في الشغل، هنعمل جمعية كبيرة بيننا، وأنا هضمنك عند الباقيين، المبلغ اللي هتقبضه يسد المبلغ اللي راح، وأنت من ناحيتك، المبلغ اللي كنت
بتديه لأمك كل شهر، هتدفعه قسط في الجمعية دي، كدة لا بيتك هيتأثر، ولا هتمد إيدك لحد، ولا هتحتاج تضغط على ميزانية البيت.
حمزة حس إن الدنيا بدأت تفتح أبوابها تاني. وافق فوراً، وبدأوا يلموا عدد من الصحابه الموثوقين، وعملوا جمعية بمبلغ محترم. في نفس الوقت، بدأ حمزة يطبق قراره بقطع المصروف عن أمه، وبقى المبلغ ده هو طوق النجاة اللي هيسد بيه أقساط الجمعية الجديدة من غير ما يضطر ينقص من ميزانية البيت اللي بيحطها لي.
رجع حمزة لبيت أهلي تاني يوم، كان واقف تحت الشباك، بس المرة دي مكنش داخل يترجى، كان داخل ومعاه خطة عملية يثبت لي فيها إنه اتغير. طلع لي، وكان باين عليه الإرهاق بس في عينيه لمعة عزم. قال لي بصوت هادي يا غالية، أنا مش جاي بكلام، أنا جاي أقولك إن الفلوس اللي ضاعت مني، رجعتها من حر مالي، ومن غير ما أقرب لقرش واحد من اللي كنتي بتدبريه للبيت.. دي جمعية عملتها مع صحابي، وهسددها من الجزء اللي كنت بدفعه لأهلي، يعني بيتي وطلباته ومصاريفه هتفضل زي ما هي، بالعكس، دي هتبقى زيادة كمان.
بصيت له، وكنت لسه متمسكة بموقفي، بس كلامه المرة دي كان فيه أفعال مش بس وعود، وده كان أول خيط في طريق المصالحة.
سكت للحظات، كنت بحاول أقرأ في عينيه صدق كلامه. كان باين عليه التعب من كتر التفكير، ومن كتر ما بيحاول يصلح اللي كسره.
بصيت له وقولت بهدوء
حمزة،
الموضوع مش بس فلوس، الموضوع إن الثقة اتكسرت. أنا محتاجة أحس إن بيتي ليه حرمة عندك، وإني شريكة ليك مش مجرد وسيلة بتسد بيها عجزك.
نزل راسه، وقال بنبرة مكسورة
أنا عارف إني غلطت، وأنا مش طالب منك تسامحيني دلوقت، أنا بس عايزك تدينا فرصة تانية، فرصة أثبتلك فيها إن بيتك هو أولويتي اللي مش هفرط فيها تاني.
لقيت نفسي ببص للولاد اللي كانوا بيسمعونا، وشوفت في عينيهم الشوق لأبوهم ولبيتهم. حسيت إن حمزة اللي قدامي فعلاً اتغير، وإن التجربة دي كانت قاسية علينا إحنا الاتنين، بس كانت درس ما يتنسيش.
وقفت، وقولت له بنبرة حازمة بس فيها حنية
هرجع معاك يا حمزة، بس بشرط.. البيت من هنا ورايح مش مشاع لأي حد، وأي قرار يخص بيتنا أو ميزانيتنا لازم نكون سوا فيه، لا أنا اللي أتفاجئ، ولا أنت اللي تتصرف من ورا ضهري.
مسح الدموع اللي كانت بدأت تلمع في عينيه، وقال بامتنان
موافق، ومستعد لكل شروطك. البيت بيتك، والقرار قرارك، وأنا اللي هبني الثقة دي من أول وجديد.
لميت هدومي اللي كنت لسه ما فرشتهاش كويس، وخرجت معاه من بيت أهلي. الطريق للبيت كان هادي، بس كان فيه شعور جديد.. شعور إني راجعة مش عشان أخدم وأسكت، أنا راجعة وأنا عارفة قيمتي كويس، ومحدش تاني هيقدر يتخطى حدوده معايا. فتحت باب شقتي، ودخلت، وحسيت إن العيد الحقيقي بدأ النهاردة، مش بالفلوس، لكن بالقرار
اللي خدناه سوا.

تم نسخ الرابط