بقلم امانى سيد
حماتى والرقيه الشرعيه ٢
أول ما شوفت علامات الصدمة والذهول الممزوجة بالكحة على وشوشهم، والنجفة بتتهز من صوت الصب، عرفت إن الرسالة وصلت مكتوبة ومقروءة ومتكلّفة كمان.
مشيت ببرود تام، حطيت المبخرة في المطبخ وطفيت الفحم، ورجعت الصالة رحت ناحية الصب، وبكل هدوء وطيت الصوت شوية.. بس قسماً بالله ما قفلته! سبته شغال وواضح، صوته مسموع في كل ركن في الشقة، بحيث يفضل مالي المكان ومحاوطهم طول القعدة.
حماتي كانت لسه بتعدل الطرحة بتاعتها وبتاخد نفسها وصدرها بيعلو ويهبط، وعينيها بتطق شرار، وسلايفي باصين في الأرض وكأن على رؤوسهم الطير. جوزي جه جري من الأوضة مذهول من الخضة، وبصلي وبص لأمه وقال بزهول
في إيه يا جماعة؟ إيه الدخان والصوت ده كله يا ماجدة؟!
رديت عليه بابتسامة بريئة تطلع من برنسيسة في الرقة
أبداً يا حبيبي، مفيش حاجة.. أنا بس بحصّن البيت وبستقبل ماما والبلسم بتوعنا.. مش إنت برضه قولت لي إن ماما ست بركة وبتحب التحصين لما اللمة تكتر وخايفة من العين؟ أنا بس بنفذ أصول مامتك في بيتي عشان ترتاح وتحس إنها في بيتها التاني.
جوزي بلم، وبص لأمه وبصلي، وملقاش كلمة تتقال.. لف ورجع أوضته وهو مش فاهم حاجة بس حاسس إن في حرب عالمية بتتدارى ورا الابتسامات دي.
حماتي هنا
لقيت سلايفي قاعدين مكلبشين في كراسيهم، ومحدش فيهم قادر يفتح بقه ولا ينطق بحرف، حتى التليفونات مكنوش قادرين يرفعوا عينيهم يبصوا فيها من كتر الإحراج والتوتر. وحماتي عدلت قعدتها وحطت إيدها في جنبها، وعينها بتلف في الشقة بقلة حيلة ونظرة غيظ مكتوم، بس لسانها عاجز عن الكلام.
قعدت وسطهم بكل ثقة، وحطيت رجل على رجل، وقولت بنبرة كله ود منتصر
منورين يا جماعة.. ثواني والأكل ينزل، سورة البقرة والرقية شغالين والبركة هتحل علينا كلنا إن شاء الله!
قمت من وسطهم ودخلت المطبخ، وبدأت أرص الأكل على السفرة. الصواني والطواجن نازلة تضرب نار، والريحة تخلي اللي شبعان يجوع، بس النفسية طبعاً مكنتش مستحملة. نقلت الأكل كله وقولت بصوت عالي وودود
اتفضلوا يا جماعة.. السفرة جاهزة، لقمة هنية تكفي مية.
قاموا قعدوا على السفرة وهم لسه تحت تأثير الصدمة
بدأنا ناكل في صمت غريب، محدش من سلايفي طالع له صوت، وحماتي بتاكل بلقمة صغيرة وهي بتبص للأكل بشك، كأنها خايفة أكون حاطة لها فيه حاجة، وأنا قاعدة باكل بمنتهى البرود والاستمتاع.
في وسط الأكل، جوزي مد إيده على طبق المحشي، وفجأة شرق وزورق وعطش جداً.. قام من على الكرسي بسرعة ومسك الإزازة الأولى اللي كانت قريبة منه ولسه بيفتح الغطا عشان يشرب..
هنا بقى.. أنا قمت اتنفضت من مكاني وصوتّ فجأة بصوت عالي وخضيت الصالة كلها
لااااااا! حاسب يا أحمد!! بلاش دي.. أوعى تشرب منها!!
أحمد اتخض والإزازة كانت هتقع من إيده، وحماتي سابت الشوكة من إيدها ووشها اتقلب ألوان، وسلايفي اتسمروا في مكانهم واللقمة وقفت في زورهم.
أحمد بصلي بزهول وهو بيكح وقال
في إيه يا ماجدة؟! خضيتيني! الإزازة فيها إيه؟!
أخدت منه الإزازة بسرعة وبمنتهى التمثيل والارتباك المتقن، وقولت وأنا بنهج وببص لحماتي بطرف عيني
معلش يا حبيبي، أصل دي.. دي إزازة مقري عليها رقية شرعية مكثفة ومحطوط فيها مية زمزم وحاجات تانية للتحصين الصعب.. أنا كنت عاملاها مخصوص لغرض معين في
أحمد بلم وبص للإزازة وبصلي وهو مش فاهم حاجة، وأخد الإزازة التانية وشرب وهو مرعوب.
أما حماتي.. ف النظرة اللي كانت في عينها مفيش كاتب دراما يقدر يوصفها! وشها جاب مية مخرطة، وبقت تبص لإزازة المية المقري عليها برعب حقيقي، وربطت بينها وبين البخور والصوت الزلزال، وافتكرت اللى بتعمله كل اما روحلها وكلهم فهموا انى بردلهم الحركات اللى بيعمولها
شيلت إزازة المية المقري عليها من على السفرة وأنا حاطاها قدام عينيهم، ورجعت قعدت كملت أكلي بمنتهى الهدوء والتلذُّذ. الصمت اللي حل على السفرة كان صمت قاتل، صمت لغة العيون اللي فيه واضحة أكتر من أي كلام.
حماتي مالت بضهرها لورا وسندت على الكرسي، وبقت تبصلي وعينيها بتلف بين سماعات الصب الكبيرة اللي لسه صوت الرقية طالع منها، وبين طبق الأكل اللي قدامها، وبين إزازة المية. ملامح وشها بدأت تتغير من الخضة والرعب لعلامات الفهم.. اللمبة نورت في دماغها، واستوعبت اللعبة كاملة.
عرفت إن الهوا اللي مش مظبوط، والبخور اللي عمى عينيهم، وصوت الرقية اللي هز الحيطان، وحوار المية