بقلم امانى سيد
ساحره ٣
بالود والمحبة في قاعة محكمة أو على مكتب مأذون، وبقيت واقفة ببص للورقة اللي في إيدي ومش مصدقة إن دي نهاية سنين من عمري.
عمام أحمد وفوا بكلمتهم زي الرجالة الأصول، وأخدت كل حقوقي تالت ومتلت، من مؤخر ونفقة ومتعة وقايمة من غير ما ينقص منها قشة واحدة. وأنا بستلم حاجتي وحقوقي، جه أحمد وقف قدامي، وعينه حمرا من كتر العياط، حاول يمسك إيدي وهو بينهار ويقولي سامحيني يا منيرة.. أنا غلت، والشيطان عماني، والبيت من غيرك ملوش طعم. أنا مستعد أعملك أي حاجة ترضيكي، وأكتبلك شقة تانية باسمك ونعيش بعيد عن أي حد، بس ارجعيلي ومتهديش اللي بيننا.
بصيت له بنظرة باردة، نظرة تخلت من أي عتاب أو لوم، وسحبت إيدي من إيده بهدوء وقلت له خلاص يا أحمد، اللي اتكسر عمره ما بيتصلح، والراجل اللي يشك في مرأته ويصدق فيها السوء من أول كلمة، ملوش أمان.. الود اللي كان بيننا أنت اللي هديته بإيدك لما طاوعت الباطل، ربنا يسعدك بعيد عني. وفوتّه ومشيت وأنا حاسة بكرامتي لفوق سابع سما، ومبصيتش ورايا.
أحمد رجع البيت مكسور والندم بياكل في قلبه، دخل على أمه وهو منهار وبيزعق ويقولها بصوت كله قهر ولوم ارتحتي؟ أهو البيت اتخرب! طلقتها ودفعت كل اللي ورايا وقدامي، وخسرت الست الصاينة اللي كانت شيلاني وشيلاكي في عيونها! ذنبها إيه يتقال عليها ساحرة ودجالة وهي مفيش على لسانها غير ذكر الله؟ أنتِ ضيعتي مني مرأتي وحياتي!
أمه بصت له ببرود تام، ولوت بوزها
وهنا أحمد عرف إنه خسر كل حاجة، وباع الود عشان خاطر لِعبة وخطة اتلعبت عليه وهو كان أضعف من إنه يحمي بيته.
أحمد أول ما سمع كلام أمه، الوجع والندم اللي في قلبه اتحولوا لبركان غضب. بص لها بنظرة كلها قهر وسخرية، وقال بصوت عالي وهستيري بنت أختك؟! أنتِ عايزة تجوزيني بنت أختك يا أمي؟! دي بالذات أنا عيب حتى تذكر اسمها على لسانك!
أمه اتخضت من طريقته، وقالت له باستنكار جرى إيه يا أحمد؟ مالها بنت أختي؟ دي ست البنات ومؤدبة وفي حالها!
ضحك أحمد ضحكة مكسورة ومريرة، وقرب من أمه وهو بيخبط كف على كف وقال بزعيق ملى الأوضة ست البنات؟! دي كانت بتكلم صاحبي! صاحبي الأنتيم يا أمي ومقضياها معاه، ومش هو واحد بس.. دي ماشية مع ده ومع ده وكل أصحابي عارفين حقيقتها وسيرتها على كل لسان! أنا تضيعي من إيدي الست الصاينة العابدة اللي مفيش على لسانها غير ذكر الله، عشان تجوزيني واحدة زي دي؟! أنتِ خربتي بيتي بإيدك وضيعتي مستقبل ابني!
الكلمات نزلت على أمه زي الصاعقة، ملامح الجبروت والبرود اللي كانت على وشها اختفت في ثانية،
لأول مرة، حماتي حست بالصدمة والندم بياكلوا في قلبها.. حست إنها اتسرعت، وإن الخطة اللي رسمتها عشان تخرب بيها بيتي اتقلبت فوق دماغها ودماغ ابنها، وإنها خسرت بنت الأصول اللي كانت شايلاها في تعبها، في مقابل حقيقة بشعة صدمتها في أقرب الناس ليها!
قعدت الأم على السرير وهي مش قادرة تنطق، شكلها عجز في ثانية، وبقيت تبص للفراغ وعينها مبرقة من كتر الذهول. الصدمة لجمت لسانها، وحست لأول مرة بنار الندم وهي بتفتكر شكل منيرة وطيبتها وأدبها، وبتستوعب المصيبة اللي كانت عايزة ترمي ابنها فيها بدافع الغيرة والسيطرة.
أحمد مَدّاش لأمه فرصة تفوق من صدمتها، كمل كلامه وهو بيلف حوالين نفسه في الأوضة زي الطير المذبوح سكتي ليه يا أمي؟ مش هي دي اللي كنتِ عايزاني أطلق بنت الأصول عشانها؟ أهو ربنا كشفهالك في ثانية عشان تعرفي ذنب منيرة اللي ظلمتيها واتهمتيها في دينها! أنا مش هقعد لك في البيت ده.. البيت اللي يتخرب فيه بيت ابنك بالباطل، مبقاش ليا قعاد فيه!
لمّ هدومه في شنطة بسرعة، وأمه بتبص له بكسرة ورجاء، لأول مرة الجبروت يختفي من عيونها وتبان على حقيقتها؛ ست وحيدة، خربت بإيدها العش اللي كان دافنها وساترها. خرج أحمد ورزع الباب وراه، وسابها تواجه سواد عمايلها لوحدها بين أربع حيطان.
بعد مرور ستة أشهر...
في مكان تاني خالص، الحياة كانت
كنت قاعدة في بلكونة بيت أبويا، الشمس دافية، وفي إيدي كوباية الشاي بقرنفل. لسانى مابطلش تسبيح ولا ذكر، بس المرة دي وأنا بالي مرتاح، ونفسيتي رايقة، ومفيش فوق راسي بشر بيعد عليا أنفاسي أو يفسر طاعتي لربنا على إنها دجل.
سيرتي الطيبة كانت زي الورد اللي بيفوح في كل مكان، وربنا عوضني ب عمر.. راجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. مهندس محترم، من عيلة أصول، عرف حكايتي من أولها لآخرها من أبويا، وقبل ما يطلب إيدي قال لأبويا كلمة واحدة شالت كل الخوف من قلبي اللي متخافش ربنا في ذكر اسمه في بيتها، متتأمنش على عرض ولا مال.. ومنيرة دي مكانها فوق الراس، وأنا شاري دينها وأصلها.
اتقدم لي، وتجوزنا، وعشت معاه في بيت كله أمان وسكينة. عمر كان الراجل اللي بجد، اللي لما بسبح أو بصلي على النبي في المطبخ، يدخل يبتسم ويقولي ربنا يبارك في إيدك وفي لقمة طالعة بذكر الله.
أما أحمد وأمه.. فالدنيا دورت عليهم الدائرة كاملة. عرفت من الناس إن أحمد عايش تائه، رافض الجواز تماماً، وكل ما أمه تفتح معاه سيرة بيت أو عروسة يثور عليها ويسمعها كلام يسم البدن. وأمه بقيت قاعدة بطولها في الشقة، المرض هَدّها، وملقتش اللي يخدمها ولا اللي يسأل فيها، بعد ما خسرت بنت الأصول وخسرت رضا ابنها، وعرفت إن طعم الظلم مر، وإن ربنا حيطة سد للمظلومين.
بصيت للسما، وابتسمت من كل قلبي وقلت الحمد لله.. يمهل ولا يهمل.
تمت