بقلم امانى سيد
انا وطليقى ٢
بتاعتك هي اللي قالت إن عندك مشكلة، يبقى تروح أنت تتعالج وتعمل عمليات، إنما أنا سليمة وزي الفل ومستحيل أبهدل جسمي وصحتي عشان حاجة تخصك.
هو اتصدم من ردها، وحس بالكلمات بتخبط في دماغه وفي رجولته، قرب منها وقال بصوت عالي
جرى إيه يا مشيرة؟! أنتي مش كنتي عارفة وموافقة، وقولتيلي هقف جنبك ونعمل حقن مجهري والعملية تنجح؟ أنتي نسيتي شرطك عشان تتجوزيني ولا إيه؟
مشيرة حطت إيدها في وسطها، وبصت له بنظرة خلت عروقه تنشف، وقالت له بمنتهى القسوة
جرى إيه أنت يا حبيبي؟ أنا اتجوزتك عشان أعيش لي يومين حلوين، وأنبسط، وأبقى حرة وأخرج وأتفسح.. مكنتش اتجوزتك عشان ألف على الدكاترة وأقعد في السرير تعبانة. من الآخر كده.. لو زنيت عليا في الموضوع ده تاني، أنا هطلق منك وأرميك.. وأنت عارف كويس أنا أهلي مين وأقدر أعمل إيه!
سابته واقف في وسط الصالة زي الصنم، كلامها كان بينزل عليه زي السكاكين، وفي نفس اللحظة ودانه صفرت وهي بتعكس له صوته هو من كام سنة لما كان بيقول في نفس البيت عايز لما أخلف أخلف من مشيرة اللي ليها عيلة وعزوة.. وعزة جلال الله ما هسيبك تخرجي من هنا إلا بالهدوم اللي عليكي.
الدنيا دارت، والكسرة اللي كسرها لغيره، رجعت له في نفس
بدأ يلف على الدكاترة في السر، وبقى يجري من عيادة لعيادة ومن مستشفى لمستشفى وهو مكسور، بيحاول بكل الطرق وبيدفع كل اللي وراه وقدامه عشان يعمل أي محاولة أو عملية تخليه يخلف، لكن في كل مرة كانت المحاولات كلها بتبوء بالفشل، والدكاترة بيأكدوا له إن مفيش أمل.
في نفس الوقت، مشيرة لما لقت السنين بتجري ومفيش فايدة، والأمل بيضيع، وبدأ نفسها هي كمان يبقى عندها عيل، قررت إنها مش هتضيع عمرها معاه أكتر من كده.
من غير ما تقوله ولا تحذره، راحت للمحامي وباعت الكل في لحظة. رفعت عليه قضية خلع، ومكتفتش بكده؛ عشان تبرر موقفها قدام عيلتها وعزوتها وأصحابها، فضحت السر اللي كان بيموته كل يوم.. فضحت في المحاكم وبين الناس إنه مش بيخلف والعيب منه هو.
سيرته بقت على كل لسان، والكلام اللي كان بيعاير بطلتنا بيه زمان لما قالها مافيش عيل تاخدي له نفقة.. وجودك كان وعاء لحد ما ألاقي اللي تملي عيني، رجع له في وشه زي السهم المسموم، وبقى ماشي في الشارع مطأطأ رأسه، وخسر كل حاجة مشيرة، والفلوس اللي دفعها على الدكاترة، والأهم من ده كله.. كرامته وسيرته اللي بقت في الأرض.
الدنيا دارت، والعدالة الإلهية اتكتبت بأقسى طريقة ممكنة
ومرت السنين، والبراند بتاعي بقاله فروع في كل مكان، والاسم بقاله هيبة ووزن في السوق. في وسط رحلة النجاح والشغل دي، جمعتني الأيام بشريك حياتي الحقيقي.. راجل محترم، صاحب براند ملابس ناجح، عرف قيمتي من أول يوم، وشاف فيّا الست القوية الناجحة المكافحة اللي تستاهل تتشال على الراس.
اتجوزنا، وعشت معاه الأيام اللي كنت بتمناها طول عمري؛ لمتنا وعزوتنا اللي بجد، والبيت اللي مليان حب واحترام من غير ذل ولا إهانة.
وربنا مأخرش عوضه الجميل.. ربنا جبر بخاطري ورزقني منه بالخلفة، وبقى عندي طفل مالي عليا الدنيا، وبقيت بمسكه وأنا بفتكر الأيام اللي فاتت وبقول سبحانك يا رب.. يمهل ولا يهمل.
وفي يوم، كنت واقفة في الفرع الرئيسي للمحل بتاعي، لمت اللوحة الكبيرة اللي عليها اسم البراند، وكان جوزي واقف جنبي وشايل ابننا على كتفه وبيضحك معايا ويناقشني في كوليكشن العطور الجديد اللي هننزله سوا ميكس بين براند الملابس وبراند العطور.
لمحت من وراء الزجاج بتاع المحل راجل ماشي في الممر بتاعه المول.. كان طليقي.
كان ماشي لوحده، ضهره محني، اللبس اللي عليه باهت، ووشه مليان هموم وعجز بعد ما فضحيته بقت على كل لسان وخسر كل حاجة. وقف للحظة وبص ناحية
بصيت له بكل هدوء، ومكنش في قلبي حقد ولا غل، كان في قلبي بس حمد وشكر لربنا اللي بياخد الحقوق وبيرجعها تالت ومتلت. لفيت ضهري ليه بكل برود، وأخدت ابنني في حضني وكملت ضحكتي مع جوزي.. وأنا عارفة إن القصة اتقفلت بأجمل نهاية، وإن النصيب المكسور ربنا بدله بأحسن وأجمل نصيب في الدنيا كلها.
وأم أحمد، الست الأصيلة الطيبة، مكانتش مجرد فتر عابرة في حياتي؛ دي فضلت معايا خطوة بخطوة. يوم ولادتي كانت هي اللي شيلاني بدعاها، وأول ما ابني فتح عينه على الدنيا، كانت هي أول وش شافه بعدي أنا وجوزي.
مرت الأيام، وابني كبر وبقى يجري في الشقة ويزق باب أوضتها وهو بينادي بأعلى صوته وبفرحة الدنيا يا تيتا أم أحمد!
الكلمة دي كانت بتخلي وشها ينور وتجاعيده تضحك من قلبها، تاخده في وتدعي له، وكأن ربنا بعت لها الحفيد ده يعوضها عن غربة ولادها ووحدتها.
أنا مكنتش بعتبرها ست استضافتني يومين؛ أنا كنت ببص لها وبقول بكل يقين إن دي أمي اللي ربنا حفظهالي وسخرها ليا في أصعب ليلة في عمري. كنا بنقعد سوا، أنا وهي وجوزي وابني، نضحك ونتكلم، وبيتنا كان دايماً عمران بحسها ودعاها اللي كان بيفتح لنا