بقلم امانى سيد

انا وطليقى ١

لمحة نيوز

انتهى، وإني خلاص بره جدران البيت الظالم ده.
قمت غسلت وشي ورحت وراها على الصالة، لقيتها مجهزة طبلية صغيرة وعليها الفطار.
الفطار كان بسيط جداً؛ شوية فول صغيرين في طبق، حتة جبنة قريش، ورغيفين عيش سخنين لسه جايباهم من الفرن. مكنش فطار ملوكي، ولا سفرة مليانة زي اللي كنت بعملها في بيتي، بس بالنسبالي في اللحظة دي.. كان الفطار ده أكبر وأغلى حاجة دوقتها في حياتي.
القمة دي مكنش فيها ذل، مكنش فيها نظرة شماتة ولا كلمة تهين كرامتي. كانت لقمة مغسولة بالرضا والحنان.
أم أحمد قعدت وبدأت تقسم العيش وتديني وهي بتقول
سمّي الله يا بنتي وكلي، الحزن مابيوكلش عيش، وإحنا عايزين صحتك ترد عشان نعرف هنمشي في دنيتنا دي إزاي.. طول ما اللقمة دي بتدخل جوفنا بالرضا، يبقالنا ملكنا الدنيا كلها.
مديت إيدي وأنا حاسة برعشة خفيفة، وأول لقمة بلعتها نزلت مع دموعي، بس المرة دي مكنتش دموع كسرة، كانت دموع أول خطوة في طريق جديد.
بعد ما خلصنا الفطار، أم أحمد شالت الصينية وقعدت
جنبي، حطت إيدها على كتفي وبصت لي بنظرتها الحكيمة وقالت
بصي يا بنتي، إحنا فطرنا والحمد لله، ودلوقتي لازم نفكر في الخطوة الجاية. قوليلي، معاكي شهادة؟ بتعرفي تعملي إيه؟ الشغل هو اللي هيحميكي وهيخليكي تقفي على رجليكي من تاني.
نزلت عيني الأرض وقولت لها بصوت هادي
أنا معايا دبلوم يا خالة، وبعرف أقرأ وأكتب كويس، ومستعدة أشتغل أي حاجة.. أي حاجة شريفة تجيب لي قرش حلال ومأقعدش حمل على حد.
أم أحمد ابتسمت وطبطبت عليا وقالت
حمل إيه يا هبلة، أنتي بنتي. أنا بس عايزاكي قوية. بصي، أنا ليا معارف في السوق اللي ورا الشارع، وفي محلات هناك بتطلب بنات دايماً. إيه رأيك ترتاحي النهاردة، وبكرة الصبح أخدك من إيدك وننزل ندور؟.
هزيت راسي بالموافقة وأنا حاسة بامتنان ملوش حدود للست الطيبة دي. أم أحمد مقعدتش ثانية، قامت على طول وجابت تليفونها القديم، وضغطت على الزراير وهي بتفتكر النمرة، وكلمت واحد من قرايبها اسمه أبو وائل عنده محلات في السوق.
سمعتها وهي بتتكلم بحماس
وبتقوله
يا أبو وائل، معايا بنيّتي الغالية، شاطرة ومعاها دبلوم وبتفهم، وعايزة لقمة عيش بالحلال.. شوفلها مكان عندك في محلات الملابس.
المكالمة مخدتش دقائق، ولفت لي أم أحمد والضحكة مالية وشها التجاعيد وقالت لي
الحمد لله يا بنتي، قالي خليها تيجي بكره الصبح المحل الكبير اللي في أول السوق، وهيوقفها مع البنات وتتعلم الشغلانة بسرعة.
أنا الفرحة مكنتش سيعاني، قومت وقفت وقولت لها وأنا بمسح دموعي
الحمد لله يا رب.. أنا هشتغل وأول ما يقبضني هدور على أوضة صغيرة على قدّي عشان ما أكونش حمل عليكي وتقلت عليكي أكتر من كده يا خالة.
أول ما نطقت الكلمة دي، وش أم أحمد اتقلب وبان عليه الزعل، وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت لي بنبرة لوم حنينة
أوضة إيه يا عبيطة أنتي؟ وعايزة تسكني لوحدك وأنتي في السن ده وفي الغربة دي من غير سند؟ جرى لك إيه يا بت؟
بصيت لها بكسوف
يا خالة مش عايزة أضيق عليكي، وأكيد ولادك بيجوا يزوروكِ ومينفعش...
قاطعتني بسرعة وهي بتمسك إيدي وبتقعدني
جنبها تاني
ولادي إيه! ولادي مسافرين ومش هيجوا خالص السنتين دول، وغير كده كل واحد فيهم ليه شقته وحياته ومستقبله بره.. أنا اللي قاعدة بطولي في البيت ده والحيطان بتاكل فيّا من الوحدة.
دمعت عيونها وهي بتبص في عيني وكملت
أنتي ربنا اللي بعتك ليا ونس عشان ما أقعدش لوحدي.. بعتك تعوضيني عن لمتهم وتملي عليا البيت. من النهاردة أنتي بنتي، وهتقعدي معايا هنا، وسيرة السكن لوحدك دي مش عايزاكي تنطقيها تاني، مفهوم؟
كلامها خلاني أحس إن الدنيا لسه فيها خير، وإن ربنا لما بياخد حاجة بيعوض بأحسن منها. نمت الليلة دي وأنا بالي مرتاح، وبفكر في بكره وفي أول يوم شغل ليا في محل الملابس.
مرت الأيام والشهور، وأنا بنزل كل يوم من النجمة لمحل الملابس. الشغل في الأول كان متعب ورجلي مكانتش بتشيلني من الوقفة، بس كنت بنسى كل التعب أول ما بمسك في إيدي القرش الحلال. بدأت أتعلم إزاي أتكلم مع الزباين، وإزاي أقنعهم، وبقيت أشيل
كل قرش يفيض مني على جنب وأحوشه في علبة صغيرة
شايلاها في دولاب أم أحمد

تم نسخ الرابط